حين نؤجل حقيقتنا..

عن القبول، والصورة، والعودة إلى الداخل.

لا أحد يحب أن يكون على حقيقته أمام الآخرين. نحاول دائمًا أن نبدو شيئًا آخر، نسخة أكثر قبولًا، أقل إزعاجًا، وأكثر انسجامًا مع ما يُتوقّع منا. نُرضي الآخرين على حساب راحتنا، ونتنازل بصمت، حتى لا نخسر نظرة، أو مكانًا، أو علاقة. لا نعرف متى بدأ هذا السلوك تحديدًا، ولا إن كان عادة قديمة أم موجة حديثة جرفتنا معها الحياة المتسارعة. لكن السؤال الأهم: ماذا نخسر حين نؤجل حقيقتنا بهذا الشكل؟  الخوف من الرفض أم العطش للقبول؟  هل نخشى الرفض، أم أننا في حاجة دائمة إلى القبول والمديح؟ قد يبدو الفرق بسيطًا، لكنه في العمق فارق كبير؛ فالخوف يدفعنا إلى الاختباء، بينما الحاجة تُغذّي سلوكًا متكررًا نبحث فيه عن أنفسنا في عيون الآخرين. في هذه الحالة، لا يعود رضا الآخر مكافأة عابرة، بل يصبح مقياسًا غير معلن لقيمتنا. ويشير علم النفس الإنساني إلى أن حاجة الإنسان للانتماء والقبول تُعد من الحاجات الأساسية، كما يوضح أبراهام ماسلو في نظريته الشهيرة عن هرم الحاجات، حيث لا يشعر الإنسان بالاستقرار قبل أن يُلبّى هذا الجانب من حياته النفسية.  نسير ونعدّ خطواتنا، نراجع حركاتنا، وننظر بعين الناقد إلى ملابسنا، أصواتنا، وحتى صمتنا. نتساءل: هل تظهر ماركة الحقيبة؟ هل يلاحظون ذلك؟ هل سيغيّر هذا شيئًا في صورتنا لديهم؟ ومع تكرار هذا السلوك، يبدأ الداخل بالفراغ. لا لأننا فقدنا ما نحن عليه، بل لأننا لم نعد نلتفت إليه أصلًا. نستهلك طاقتنا في الترقّب والمقارنة، ونُهمل المساحة الأهم: جوهرنا. ولو كان لنا أن نُقيَّم بصدق، بعيدًا عن الصور والانطباعات، لربما كان الصفر حاضرًا وجاهزًا؛ لا بوصفه إدانة، بل كنقطة بداية لم تُستثمر بعد. السؤال الذي يتأخر حضوره دائمًا: لماذا لا يلتفت الإنسان إلى أصله الأول؟ إلى عقله، وإدراكه، وقدرته على الفهم والنمو؟ لماذا نُنمّي الصورة قبل أن نُنمّي الثقة، ونبحث عن القبول قبل أن نعرف أنفسنا؟  زمن الصورة… وثقافة المقارنة  أحيانًا يبدو الأمر كما لو أن هذا الزمن يفرض علينا شكله الخاص. نمضي جميعًا على الموجة ذاتها، لا عن قناعة كاملة، بل بدافع التأقلم، كي لا نبدو مختلفين أو خارجين عن السياق العام. نواكب جيلًا يمنح المظهر الخارجي وزنًا أكبر مما نتصور؛ ينظر إلى ساعتك، ونوع سيارتك، وجهازك، قبل أن يقرر مدى قربك منه أو إمكانية صداقتك. وقد أشارت دراسات حديثة في علم النفس الاجتماعي إلى أن المقارنة المستمرة، خصوصًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ترتبط بارتفاع مستويات القلق وانخفاض الرضا عن الذات، لأن الفرد يقيس حياته بصور منتقاة لا تعبّر عن الواقع كاملًا.  لسنا قادرين على تغيير جيل كامل، ولا على إيقاف هذا التيار المتسارع، لكننا قادرون على التنويه إلى تفاصيل صغيرة قد تُحدث فرقًا حقيقيًا. أن نقرأ أكثر، لا لنتباهى بالمعرفة، بل لنوسّع زاوية الرؤية. أن نرضى عمّا نملك دون أن نقيسه بما لدى الآخرين. فالمقارنة المستمرة لا تصنع تطورًا حقيقيًا، بل تُبقي الإنسان في حالة نقص دائم، مهما امتلك.  حين يفكّر العقل، ويناقش، وينظر إلى الإنسان من زاوية داخلية لا خارجية، يصبح أكثر قدرة على الفهم وأقل انجرافًا نحو السطحية. فالمظاهر، مهما بدت لامعة، تأثيرها مؤقت، وغالبًا ما تقود إلى فراغ آخر. أما التغيير الحقيقي، فهو ذاك الذي يبدأ من الداخل، من تطوير الفكر، وإعادة ترتيب القيم، والبحث عن معنى يتجاوز ما يُرى بالعين.  التغيير الذي لا يُفرض  لكنني، في كل مرة أفتح كتابًا وأبدأ بالقراءة، أعود إلى مكاني. ليس المكان الجغرافي، بل ذاك الداخلي الذي يذكّرني بما أكون عليه حقًا. القراءة لا تغيّر العالم من حولنا بقدر ما تغيّر زاوية النظر إليه، وتمنحنا مسافة آمنة نرى منها أنفسنا والآخرين بوضوح أكبر. لذلك، يبدو من الصعب – وربما غير العادل – أن نطالب الإنسان بالتغيير المباشر، لأن النفس البشرية لا تُعاد صياغتها بالأوامر، ولا تستجيب للضغط. ويشير الفيلسوف الدنماركي سورين كيركغارد إلى أن أعمق أشكال التغيير تبدأ من الداخل، حين يختار الإنسان وعيه بنفسه، لا حين يُفرض عليه مسار جاهز.  الإنسان لا يحب أن يُؤمر، لكنه يحب أن يرى، أن يشعر، وأن يلتقط المعنى بنفسه. فكرة عابرة، جملة صادقة، أو تجربة قراءة قد تكون كافية لفتح باب لم يكن مرئيًا من قبل. ومن هنا، تأتي قوة الكتابة؛ لا بوصفها أداة توجيه، بل مساحة وعي تُترك مفتوحة لمن يمر بها، لعلها تُحدث أثرًا صامتًا، لكنه عميق.  ربما لا نستطيع تغيير العالم، ولا إيقاف موجته المتسارعة، لكننا نستطيع أن نختار كيف نعبره. أن نلتفت قليلًا إلى الداخل، ونمنح أنفسنا فرصة للوعي بدل المقارنة. فالتغيير الذي يُلتقط بهدوء، هو وحده القادر على البقاء.