بلدي يا بلدي!

في الوقت الذي أصبحت فيه الخدمات الإلكترونية معياراً لقياس كفاءة الأداء الحكومي، وتمكن المستفيد من إنجاز معاملاته في جهات عديدة بسرعة ووضوح، لا تزال بعض المنصات تعاني من إشكالات إجرائية تُضعف أثر هذا التحول. ومن أبرزها بوابة “بلدي” التابعة لوزارة الشؤون البلدية والإسكان، التي ورغم أهميتها، تكشف التجربة العملية معها عن خلل يربك طالب الخدمة ويثقل كاهل أصحاب الأعمال. فعند التقدم بطلب رخصة تجارية، يلتزم التاجر برفع جميع المتطلبات النظامية، وتُستوفى الرسوم وتصدر الرخصة، إلا أنه يُفاجأ لاحقاً بملاحظات من الرقابة اللاحقة تتعلق بلوحة المنشأة، رغم دفع رسومها مسبقاً وإرفاق صورتها منذ بداية الطلب. وغالباً ما تفرض هذه الملاحظات تعديلات مكلفة مادياً، دون وجود مسار إلكتروني واضح يتيح رفع التعديلات أو متابعتها بسلاسة، لتبقى المعاملة معلقة دون إطار زمني محدد. وتزداد الإشكالية حين تكون التعديلات المطلوبة أقل رسوماً من الحالة السابقة، في ظل غياب آلية واضحة لاسترداد الفروقات المالية المدفوعة، ما يحول الإجراء من تنظيم مطلوب إلى عبء إداري ومالي غير مبرر، ويضع التاجر أمام واقع يدفع فيه الرسوم أولاً، ثم يواجه صعوبة -أو استحالة - استردادها لاحقاً. ويأتي ذلك متزامناً مع تغير متكرر في اشتراطات اللوحات الإرشادية والإعلانية، التي تُعد الواجهة الأولى للمنشآت التجارية. ففي فترة تكون الاشتراطات مرنة أو غير محددة، ثم تُستبدل لاحقاً بقياسات صارمة، ما يربك التاجر ويجبره على تعديلات متلاحقة، أسهمت في تعثر عدد من رواد الأعمال وخروج بعضهم من السوق. ولا يمكن إغفال جانب تجربة المستخدم داخل المنصة ذاتها، حيث يؤدي ازدحام الأيقونات وتعدد المسارات غير الواضحة إلى تشويش طالب الخدمة، وإضعاف قدرته على الاستدلال المباشر إلى الخدمة المطلوبة، وهو ما يتعارض مع أبسط مبادئ التصميم الرقمي القائم على الوضوح والاختصار. كما أن محدودية نطاق خدمات مكاتب «مدينتي»، واقتصارها في الغالب على رخص البناء، جعل معالجة إشكالات الرخص التجارية أكثر تعقيداً، إذ يُحال المستفيد مجدداً إلى منصة «بلدي» دون أن يجد حلولاً عملية لبعض الإشكالات القائمة. إن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الإجراءات، بل إلى تثبيت الاشتراطات التنظيمية، وتجنب الأثر الرجعي عند تعديلها، إلى جانب مراجعة تجربة المستخدم وتسريع مسارات الإنجاز. ومن هذا المنطلق، تبدو إعادة ترتيب تسلسل الإجراء ذاته خطوة جديرة بالاعتبار، وذلك بأن تتم زيارة موظف الرقابة اللاحقة قبل إصدار الرخصة واستيفاء الرسوم، لتحديد المتطلبات بدقة منذ البداية، وتفادي ما يترتب لاحقاً من تعديلات مكلفة وإشكالات استرداد، كما هو حاصل في الإجراء القائم حالياً. فالمعاينة المسبقة لا تحمي التاجر فحسب، بل تحفظ وقت الجهة وجهدها، وتغلق باب الإرباك من جذوره. فجهة بهذه الأهمية، وبهذا الارتباط المباشر بحياة الناس وأعمالهم، تستحق معالجة تُعيد الثقة، وتُحقق الغاية من التحول الرقمي: تنظيم بلا تعقيد، وخدمة بلا إرباك.