ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026..
علي مكي يوقّع «في صحراء إبراهيم الكوني»: حين يتحوّل الحوار إلى فعل معرفة.
ضمن برنامج حفلات التوقيع في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، أقيم حفل توقيع كتاب «في صحراء إبراهيم الكوني» للكاتب والصحفي الزميل باليمامة علي مكي، حيث تحوّلت الأمسية إلى مساحة حوارية وثقافية ثرية كشفت عوالم الروائي الليبي الكبير إبراهيم الكوني، لا بوصفها موضوعًا للنقاش العابر، بل بوصفها تجربة إنسانية وفكرية مفتوحة، شارك في قراءتها وتفكيكها ناشرون ونقاد وشعراء، مؤكدين أن هذا الكتاب يتجاوز صيغة الحوار التقليدي ليصبح شهادة أدبية على مشروع روائي استثنائي. راهنٌ على العمق والمعرفة استضافت قاعة بلازا (1) بمركز مصر للمعارض الدولية، حيث تُقام فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، حفل توقيع وأمسية ثقافية اتخذت من الحوار بوابة للكشف، ومن الإصغاء منهجًا للاقتراب من عوالم الروائي الليبي الكبير إبراهيم الكوني، أحد أبرز الأسماء في تاريخ الرواية العربية الحديثة. قدّم الحفل الكاتب والناشر صالح الديواني، مستعرضًا طبيعة الكتاب بوصفه عملًا حواريًا ممتدًا لا يكتفي بتسجيل الأسئلة والأجوبة، بل يسعى إلى مرافقة تجربة إبراهيم الكوني الإبداعية والفكرية، قبل أن يلقي الناشر والمؤرخ محمد السيف، صاحب دار «جداول» للنشر والترجمة والتوزيع، كلمة أشار فيها إلى أهمية الكتاب ضمن مشروع الدار، مؤكدًا أن «في صحراء إبراهيم الكوني» يندرج ضمن الكتب التي تراهن على العمق والمعرفة، وتعيد الاعتبار للحوار الثقافي الجاد بوصفه فعلًا فكريًا لا استهلاكيًا. مرافقة.. لا مواجهة في كلمته، أوضح مؤلف الكتاب علي مكي أن محاورة إبراهيم الكوني لم تكن مواجهة بقدر ما كانت مرافقة، مؤكدًا أن الكوني كاتب لا يُستدرج إلى خلاصات سريعة، ولا يُحاور بعجلة، وأن هذا الكتاب هو في جوهره كتاب عن الإصغاء، وعن متعة ترك الفكرة تقود محاورها كما تقود الصحراء من يعرف دروبها. ووجّه مكي شكره لإبراهيم الكوني على ما أبداه من سخاء معرفي وإنساني خلال الحوار، مشيرًا إلى أن الكتاب لا يبدأ فعليًا إلا حين يصل إلى قارئه، ويصبح جزءًا من أسئلته الخاصة. وخلال تفاعله مع أسئلة الحضور، توقّف مكي عند الصورة النمطية التي لاحقت إبراهيم الكوني ووصمته بالغرور، نافيًا هذا الوصف، وراويًا أن الكوني سأله بعد انتهاء الحوار عمّا إذا كان قد وجد فيه شيئًا من الغرور، وحين أجابه بالنفي، طلب منه أن يدافع عنه وأن يكسر هذا الانطباع الخاطئ. كما أوضح مكي أن اختياره لعنوان الكتاب جاء من اعتبار الصحراء بوصفها العالم الأوسع والمدخل إلى مجمل العالم الروائي للكوني، لا من باب تقديسها، بل باعتبارها فضاءً دلاليًا وفلسفيًا تتقاطع فيه الأسئلة الكبرى. وتطرّق كذلك إلى تجربته الحوارية عمومًا، مؤكدًا حرصه الدائم على طرح أسئلة موضوعية، وتجنّب الانحياز لطرف على حساب آخر. شهادة على الحرف الناقد والباحث السياسي اليمني وعضو مجلس الشورى لطفي نعمان، قدّم قراءة مطوّلة في الكتاب، قال فيها إنه يعتبر نفسه شاهدًا على الحرف لا شاهدًا على العصر، معربًا عن امتنانه لعلي مكي لأنه أتاح له فرصة العيش في حياة الصحراء عبر حواره مع إبراهيم الكوني، سطرًا بعد سطر. وأشاد نعمان بمقدمتي الكتاب اللتين كتبهما الروائيان إبراهيم عبدالمجيد وعبده خال، معتبرًا أن كلًا منهما كتب مقدمته بمحبة وإعجاب بالصديقين علي مكي وإبراهيم الكوني، ومشيرًا إلى اختلاف المقاربتين، حيث استعاد إبراهيم عبدالمجيد اكتشافه المبكر لعالم الكوني من خلال رواية «المجوس»، وغرقه في صحرائها وبشرها وما صنعته من دهشة، فيما ركّز عبده خال على طبيعة الحوارات التي ينجزها علي مكي، واصفًا إياها بأنها لقاءات غير استهلاكية، من النوع الذي لا يموت. وتوقّف نعمان عند ما بدا وكأنه مبارزة غير مباشرة بين المقدمتين، حيث احتفظ كل كاتب بصوته ورؤيته، فيما احتفظ صاحب الكتاب بمقدمته لنفسه، قبل أن يستعرض مقتطفات دالة من الكتاب، كاشفًا عن السر الذي يبوح به إبراهيم الكوني حول الصحراء، لا سيما وهو يعيش في بلدان تتساقط فيها الثلوج. واستعاد نعمان حديث الكوني عن ضياعه طفلًا في الخامسة من عمره، معتبرًا أن من يضيع يكتشف الدروب والمسالك الجديدة، وأن تلك التجربة المبكرة منحته إدراك هيبة الصحراء واستحقاقها لصفة «الكبرى»، فاتخذ من نجاته قربانًا لترجمتها سرديًا، وعربون وفاء لتخليدها. كما أشار إلى قول الكوني إنه يحيا الأزمنة الثلاثة معًا: الماضي والحاضر والمستقبل، في تجربة وجودية تتجاوز حدود الزمان والمكان. وشهد حفل التوقيع مداخلات من عدد من ضيوف حفل التوقيع، من بينهم الشاعر محمد الدميني، والشاعر عبدالرحمن موكلي، الذين قدّموا قراءات وانطباعات أغنت النقاش، ووسّعت أفق تلقي الكتاب، مؤكّدين أن «في صحراء إبراهيم الكوني» لا يقدّم إجابات جاهزة، بقدر ما يفتح مسارات للتفكير، ويعيد الاعتبار للحوار بوصفه شراكة في الكشف، لا امتحانًا للأسئلة ولا استعراضًا للإجابات، وفي معنى أن يكون الحوار فعل معرفة، ومسارًا مفتوحًا لاكتشاف الإنسان والصحراء والكتابة معًا.