في سياق مئوية الشاعر اللبنانيّ والعربيّ الخالد والمؤلّف الموسيقي الكبير والمسرحيّ صاحب الفكر التقدّميّ والعقل المستنير منصور الرحباني، قُدّم في عاصمة لبنان «أوراتوريو» سِمفونيٌّ من قصائده في كتابه «أسافر وحدي ملكاً». التأليف الموسيقي ممهورٌ بخاتم أسامة الرحباني، علماً بأنّ الصوت قد جهُرَ وهَلَّ في غناء «السوبرانو كولوراتورا» Coloratura البارعة هبة طوجي. أمّا التأدية المتقنة، فمطبوعةٌ بلمسات الأوركسترا الوطنية السِّمفونية الأوكرانية المتضلّعة «تِكْنيكاً» وجوقة «جامعة سيدة اللويزة». العمل الشعريّ المنغَّم المشدُوّ الملهِم الحيّ -الذي يبقى سيماء وبصمةً والتماعاً- عُرض بدعوةٍ من الفنان المتمرّس أسامة الرحباني ، فيما كان جاد الرحباني صوت الراوي. يجد المتلقّي النوعيّ نفسه في العمل هذا أمام حركيّة الإبداع وديناميّاته في بنيةٍ تأليفيةٍ متينة مشرَّعة على جماليّةٍ تُؤبِّدُ وتُجنّح الخلفيّات والأبعاد الدلالية للشعر الشفيف المونِق في فعل المَوْسَقة. لا يجيد أسامة تأويل المناخات المباشرة للجُمَل والصوَر الشعرية (موسيقيّاً) فحسب، بل أيضاً سياقاتها الجوّانية العميقة والقصيّة في بطانة النصوص. يُجلّي إشراقات لونية في بوتقة النسيج الموسيقي والصوتي. يتمدّد العملُ الفنّيُّ، بعد الإنصات إلى ندائه وصداه، في نفْس المصغي علامةً فارقة في النتاج الشعريّ والتأليفيّ الموسيقي المعاصر، ويجرفنا نحو تأمّلٍ عميق يكوّمه في مناجم السماع والسمْع. الموسيقى ههنا ممسوسةٌ ومذيّلة بمدٍّ مشهديٍّ يُستشعَر، والشعر يتلفّع ببُعدٍ فلسفيّ. غالباً ما ينقّب أسامة الرحباني في الأغوار وظلال المدلولات ويجترح فضاءه الأسلوبيّ البليغ والمؤثّر، ممتشقاً رؤاه الطليعية وجسارته. تنغيم شعر منصور الرحباني في «أوراتوريو» سِمفوني مسؤوليةٌ كبيرة وتحدٍّ رفيع، أثبت فيهما أسامة وفاءه وتجذّره وإرادته وكفاءته ومهاراته وسُؤْدُد حدسه الفنّيّ، حيث شفَّ عصبه الآسر ونبضه الخلّاق. يتدثّر «الأوراتوريو» هذا بتحيةِ حبٍّ لصاحب «أنا الغريب الآخر» و»القصور المائية». يطفو أسامة خفيفاً في أفقٍ تعبيريّ متلألئ بثقلِ خطاه المُحْكَمة، القويّة، والثابتة، وبذهنٍ بصيرٍ حصيف، ووحيٍ مكتنز. في لمْحٍ «ليريكيّ» دراميّ يلمع أسامة فيما يهندس الأنغام في تتابعها وتركيبها ضمن عمارةٍ أدبية موسيقية فنّية عزفية غنائية، تتواشج خطوطها وملامحها. كسفينةٍ تشجّ بحر التكوين والإجادة والبُروء تمظهر «أوراتوريو» الرحباني متصيّداً دهشة الجمهور النخبويّ واهتمامه وحفاوته. هكذا، ضمن برنامجه في الخارج، احتضن مهرجان أبو ظبي العرض الأوّل في العالم العربي للعمل الملحميّ «أسافر وحدي ملكاً». من بيروت إلى العالم العربيّ والعالم، انطلق لُواح وطَلْعُ «الأوراتوريو» السِّمفونيّ حديثاً، طازجاً شاسعاً، خاطّاً أثره في سِجِلّ الذوق الفخم الفارِه في زمنٍ تعتريه جزئياً حُمّى الانحطاط والتشابه والاستهتار والاستسهال، ويشوبه جنوحٌ أهوج أعرج نحو التجاريّ الاستهلاكيّ. العمل مادةٌ إبداعية ستحفر مداها في الذاكرة، وحقلٌ فنيٌّ خصيبٌ، وتحفةٌ يتأبّطها الحضور والذوّاقة والجمْع، بعدما اصطحبهم الرحباني في رحلةٍ استثنائية إلى بؤَرٍ يُدَّخَر فيها الضوء والوجد وشارات الرقيّ. كَسَت الموسيقى شعرَ منصور ولفّته بكثافة المعنى الموازي «الدِّياسيميائي» لتقيه من برد الغياب. هكذا يُستدعى اليوم أثر وطيف منصور ليكون الحاضر بقوّةٍ لبنانيّاً وعربيّاً في عباب إغفاءته، لتحلّ سطوته بالمهجات في غمرة استتاره.