آية السيابي تصدر عملها الجديد ..

رواية عمانية عن الحياة في سجن النساء .

أصدرت الروائية العُمانية آية السيابي روايتها الجديدة «العنبر الخامس… الحياة في سجن النساء» عن دار «الآن ناشرون وموزعون» بالأردن، لتواصل مسيرتها في السرد النسوي الواقعي، وتقدم قراءة عميقة للتجربة الإنسانية داخل السجون. تأتي الرواية في 264 صفحة من القطع المتوسط، لتكون إضافة نوعية لمسيرة الكاتبة، إذ تتجاوز مجرد السرد الاجتماعي أو القانوني، لتصبح تأملاً وجودياً في الحرية والغياب. لا تُكتب الرواية عن السجن بوصفه جدرانًا، بل كحالة وجود... آية السيابي تحوّل الزنزانة إلى مرآة كاشفة للحرية حين تُسلب، وتُصغي لوجع الأنثى بوصفه سؤالًا أخلاقيًا لا حدثًا عابرًا. نصّ يُدان فيه القيد، لا بالقسوة، بل بالوعي. كما أن في الرواية، لا يُعرض السجن كمؤسسة عقابية فحسب، بل كمكان يُعاد فيه تعريف الزمن، وتُختبر فيه الذاكرة بوصفها الملاذ الأخير للذات. الزمن هنا ليس مجرد مرور الساعات والأيام، بل خصم صارم يفرض على الشخصيات صعوبة البقاء ويترك أثره العميق في النفس. السيابي تركز على البُعد النفسي والفلسفي للحياة في السجن، فتجعل من كل موقف وكل لحظة تجربة تراكمية تؤثر في القارئ كما تؤثر في الشخصيات نفسها. الأسلوب السردي متأنٍ، كثيف، بعيد عن الصخب والانفعال المباشر، مشحون بالوعي بالألم، ومتجه إلى تفكيك معنى الحرية من خلال الغياب، الصمت، والانتظار الذي قد لا يؤدي إلى خلاص. الزنزانة تتحول في النص إلى فضاء للعدم، والممرات الطويلة، والغرف الضيقة، والزمن المتكرر تصبح أدوات لاختبار الوجود، حتى الضوء الذي عادة ما يرمز للأمل يتحوّل إلى شاهد صارم على قسوة الواقع. الرواية تبدأ برسالة تمهيدية تحت عنوان «رجاء!» ، حيث توجه الكاتبة نصيحة حميمة للقارئة: «أوصيكِ بنفسكِ خيرًا!». هذه الرسالة تعكس انحياز السيابي للأنوثة، وتؤكد حرصها على تقديم تجربة النساء كسرد إنساني متكامل، يتجاوز كونهن محتجزات في فضاء مادي ضيق، لتصبح تجربتهن اختبارًا وجوديًا وأخلاقيًا للذات البشرية حين تُحاصر وتُقيد حرية الإنسان. الشيء اللافت في الرواية هو تحويل التفاصيل اليومية الصغيرة—لمسة، صمت، ذكرى—إلى مرايا للوجود، حيث تصبح الأحداث الفردية مفتاحًا لتأملات أوسع حول الحرية، الغياب، والذاكرة. السرد يميل إلى التفكيك البطيء للأحداث، بحيث يستمر تأثير النص في وعي القارئ حتى بعد إغلاق الكتاب. قيمة «العنبر الخامس» تكمن في الصوت الإنساني الذي تمنحه لتجربة غالبًا ما تُهمش أو تُختزل في البعد القانوني والاجتماعي، فتطرح سؤالاً وجودياً: كيف يظل الإنسان حيًا داخل ذاته حين يُجرّد من يقينه ويُحاصر جسده؟ الرواية هنا ليست مجرد سرد لزنازين النساء، بل تجربة فلسفية وجودية حول الحرية، الغياب، والصمود البشري. في النهاية، تقدم «آية السيابي» نصًا سرديًا متفردًا، مكثفًا، يقود القارئ عبر صمت الغياب وثقل الزمن، ليصل إلى وعي جديد بالوجود الإنساني وتجربة لا تُغادر الذاكرة بسهولة، مثل الزنزانة نفسها التي أعطت الرواية عنوانها. «العنبر الخامس» إذن، تجربة عميقة في قراءة النفس والوجود، وتجسيد للحياة في أقصى درجات الحرمان، بوعي إنساني وفلسفي متفرد.