الصالونات الأدبية النسائية ..

مصابيح في زمن العتمة .

يتصور الكثير من الناس أن الصالونات، أو المجالس الأدبية النسائية ظاهرة غربية، انتقلت من أوروبا الى الشرق الأوسط، بينما التاريخ يثبت عكس ذلك، فالمجلس الأدبي الأنثوي، انبثق أولاً من إقليم الحجاز، أرض المهرجانات الشعرية، وسوق عكاظ، وفعاليات المعلقات السبع، حيث كانت الحركة الشعرية في أوجها. فقبل أن تُعرف الصالونات الأنثوية المؤثرة في أوروبا، بقرابة عشرة قرون، وتحديدا في القرن السابع الميلادي، في جزيرة العرب، كان هناك صالون أدبي نسائي شائع الصيت في المدينة المنورة، أنشأته السيدة الهاشمية سكينة بنت الحسين (669م-736) في بيتها، ويُعد هو الأول من نوعه في التاريخ. السيدة سُكينة ذات الحسن والجمال، والحسب والنسب، والورع والتقوى، جدها الأعظم، من جهة والدها الحسين، وجدها هو نبي الأمة، وهو خاتم الانبياء والمرسلين، وجدتها فاطمة الزهراء بضعة من أبيها، زوجة جدها الخليفة الرابع علي ابن عم النبي، ومن جهة والدتها الشاعرة الرباب، التي كانت نصرانية قبل أن تعتنق الاسلام، والدة سكينة هي ابنة امريء القيس، الذي يُعد من أعظم شعراء المعلقات ويلقب بالملك الضليل، فكيف لا تكون سكينة امرأة استثنائية وشاعرة، وتقية زكية، وسابقة لعصرها بتلك الخارطة الجينية المدهشة؟ فلا عجب حين يتهافت على مجلسها فطاحلة الشعراء وعلية الفقهاء والصحابة. فقد صنعت لنفسها تاريخا ومجدا ومكانة يُحتذى بها، بالرغم من المصائب التي توالت عليها منذ الصغر، فقد جابهت غدر الزمان، ومكائد السياسين ببسالة، قُتل جدها الإمام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه، ومن ثم شَهِدت مقتل أبيها الحسين في كربلاء، وزوجها الأول ابن عمها عبد الله ابن الحسن، مع عدد من أفراد أسرتها من آل بيت رسول الله، عليهم الصلاة والسلام جميعا، وعاصرت مقتل زوجها الثاني مصعب ابن الزبير فيما بعد رضي الله عنه، وهي في عز شبابها، إلا أن سكينة كانت أكبر من كل تلك المصائب المؤلمة، فهي كطائر الفينق الأسطوري، مع كل انتكاسة تنهض من جديد، وتنفض عنها أتربة الحزن وأوجاع الفقد، وتواصل سيرتها المثيرة. كان للسيدة سكينة مجلسٌ أدبي، يرتاده كبار الأدباء والفقهاء، وأيضا الشعراء كالفرزدق، وجرير، وجميل بثينة، وكثيرعزة وغيرهم، حيث كانوا ينتظرون بشغف لأيام من أجل سماع رأيها في قصائدهم، ليتيقنوا أنهم أبدعوا في تجلياتهم الشعرية، لأن سكينة كانت ناقدة بارعة، وذات دراية عميقة باللغة، وقدرة على الحفظ والفهم، وتمتلك ثقافة استثنائية في بحور الشعر والفقه، ولديها مَلَكَة عجيبة في الخطابة. توفيت في المدينة المنورة، لكن لها أضرحة في أعرق مدن العالم دمشق والقاهرة، وكأن كل مدينة أرادت أن تدّعي، أن جثمان تلك المرأة الجليلة، قد دُفنت عندها، وقدّست أرضها. وتأتي في الجهة الأخرى من خارطة العالم، في إسبانيا، أسطورة الأندلس الشاعرة الفاتنة، ولاّدة بنت المستكفي (994م-1090) والدها كان الخليفة الأموي في قرطبة الذي انتهى حكمه بقتله، ووالدتها كانت نصرانية من أصول إسبانية. عاشت ولاّدة كأميرة في القرن العاشر الميلادي، في قصرها الجميل في قرطبة، حيث حوّلت مجلسها إلى صالون أدبي، تستقبل فيه الرجال والنساء، دون حواجز بعكس السيدة سكينة الورعة، التي كانت تخاطب زوارها من وراء حجاب، أو من خلال جاريتها. اشتهرت ولاّدة بحسنها الفاتن، فقد كانت طاغية في الأنوثة والجمال، ومبدعة في الفنون، وبارزة بذكائها وتمردها على الأعراف، كما عُرفت بثقتها الرصينة بنفسها، وجرأتها في الحب . أيضا اشتهرت بأنها “أيقونة الثقافة” نظرا لمهاراتها في كتابة الشعر، والتعمق في اللغة، وفنون الغناء والعزف على العود، مما دفع رواد صالونها من ذوي السلطة والنفوذ، والشعراء إلى التهافت عليها والتقرب منها، وأشهرهم كان الوزير الشاعر ابن زيدون، الذي وقع في حبها، واُغرم بها، وهام بجمالها، وصار يبارزها بالقصائد، حتى فتنته بفطنتها. عشقه لها ألهمه بكتابة أجمل أبيات الحب والوله. لكن ابن زيدون، مثل كثير من الرجال، لم يكن مخلصاً لمحبوبته، لذلك وقع في المحظور، وارتكب خطيئة الذكور الكلاسيكية، عاشر جاريتها، فضبطته، وغضبت منه، وهجرته، حاول الشاعر المغرم أن تغفر له ذنبه وتصفح عنه، لكن ولاّدة ذات الكبرياء والأنفة والجاه الرفيع، رفضت طلبه، فهي ليست كسائر النساء. فقد شعرت تلك الأميرة الحسناء، بالإهانة والغدر، فغادرت دون رجعة، بالرغم أن قلبها المفطور ظل يحن لحبيبها، الذي عاشت على ذكراه، ولم تحب غيره، لكنها كابرت حتى آخر يوم من حياتها، فماتت بمفردها، وابن زيدون عاش حزينا ونادما على فعلته، وكتب قصائد الحنين والشوق لمعشقوته، التي سكنت قلبه وسلبت روحه، فمات وحيدا، وانتهت أجمل علاقة عشق في التاريخ الأندلسي، وبقيت تلك الحكاية متمثلة في “نصب الحب” الموجود اليوم في إحدى حدائق قرطبة. مجرد كفان يتلامسان برقة وود، وتوق لعناق لم يتم ابدا. وعودة إلى أوروبا بعد قرون من سقوط الأندلس، وتحديدا في القرن السابع عشر، نهضت الحركة النسائية بريادة سيدات الطبقة الأرستقراطية، وبدأت تنسج خيوطها في المجتمع، من خلال صالونات أدبية مفتوحة في البيوت، لاستضافة النخبة المثقفة. كانت تلك الصالونات بمثابة المصابيح المضيئة، في زمن سادته عتمة غارقة في سواد الجهل والتخلف، والنزاعات السياسية، حيث لازالت المجتمعات الأوروبية آنذاك، تعاني من تبعات السلطة الدينية، والقهر السياسي، وتقاسي من هيمنة الأعراف الاجتماعية، التي ساهمت في عزل الفتيات عن الحياة الأكاديمية، ومنعتهن من الالتحاق بالجامعات، فأتت تلك البيوت الثقافية لتسد حاجة المرأة وترفع من مستواها، وأيضا تحاكي قضايا المجتمع مع أكبر المفكرين، والأدباء والشعراء في ذلك الوقت، وكانت السيدة المضيفة هي التي تشرف على شؤون الصالون، وتدير الحوارات حسبما تراه مناسبا. استمرت تلك التظاهرة الثقافية نشطة في البيوت بين صفوف النخب نساء ورجالا، حتى نهوض الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر. أول صالون استقبال عُرف في أوروبا كان إيطالياً، أسسته السيدة “ايزيبلا ديستيه”، حيث كان مؤثرا في عصر النهضة الإيطالية، ومن ثم انتشرت الفكرة في فرنسا، ففتحت “كاثرين دي فيون” صالونها “الغرفة الزرقاء” في باريس، وصالون آخر للكاتبة “مادلين دي سكوديري” وغيرهن، ولحقت بقية أوروبا بالركب بصالونات لزوجات النبلاء. تلك الصالونات النسوية كانت تستضيف المهمومين بالشأن الثقافي والحالة السياسية، فيجتمعون لقراءة الشعر، والاستمتاع بالموسيقى، ومناقشة شؤون الأدب والفن، وطرح قضايا التنوير والوضع السياسي. كانت أشبه بالبذور التي رسخت الجذور لاشتعال الثورة الفرنسية، مع أفول القرن الثامن عشر، والتي غيرت وجه أوروبا قاطبة، والعالم بأسره. كاثرين دي فيون وننتقل إلى بداية القرن المنصرم، حين انتعشت من جديد صالونات النساء الأدبية في بعض المدن العربية، وكان أشهرها في مدينة القاهرة، صالون الشاعرة والكاتبة والناشطة النسوية الآنسة مي زيادة (1886م-1941)، كانت مي (ماري الياس زيادة) الابنة الوحيدة لوالديها، وعاشت طفولتها بين لبنان وفلسطين، وتلقت تعليمها الجامعي في مصر، واستقرت أسرتها هناك. كانت امرأة متعددة المواهب، وذات ثقافة عالية، وأستاذة تحاضر في الفلسفة والأدب والتاريخ في جامعة القاهرة، وصحفية نشرت عدة مقالات في جرائد مصرية. مي التي لُقبت بـ”فراشة الأدب”، أتقنت أكثر من سبع لغات بجانب اللغة العربية، ألفت عدة كتب ودواوين شعرية باللغة العربية والفرنسية، وأثرَت المكتبة العربية، بترجماتها من الألمانية والإيطالية والفرنسية والانجليزية. مي زيادة ظل صالونها الأدبي كل يوم ثلاثاء، مفتوحا ولعشرين عاما، واستقبلت وحاورت أشهر الأدباء والكتاب مثل د. طه حسين، والعقاد، وسلامة موسى، والرفاعي، وأحمد شوقي، وغيرهم من قادة الحركة الفكرية، والنهضة العربية. مي سلبت عقول مرتادي الصالون، وحتى البعض باح بحبه لها، لكن قلبها لم يكن ملكها، فقد وقعت في حب عذري، وتعلقت روحها بالكاتب المهاجر في أمريكا جبران خليل جبران، وظلت تراسله لعشرين سنة، حتى وفاته دون أن يحدث لقاء بينهما. تدمرت حياة مي وتدهورت حالتها الصحية، وأدخلت مصحة نفسية، بعد أن فقدت والدها، ووالدتها، وحبيبها في غضون ثلاث سنوات متتابعة تقريباً، وكأن القدر قد تواطأ مع الموت ضدها، وشاء أن يدمر تلك المرأة العظيمة. وفي السنين الأخيرة من حياتها، عاشت في عزلة عن الناس، حتى انطفأت روحها، وفارقت هذا العالم الذي لم ينصفها. الآن الصالونات الأنثوية في زمن الثورة التكنولجية، ووسائل التواصل الاجتماعي، اتجهت إلى منحى آخر، وصارت البرامج الحوارية في القنوات الإعلامية، تأخذ حيزا كبيرا في الساحة الثقافية، وحركة التنوير. تعدد مذيعو تلك البرامج ، لكن الشاعرة والإعلامية البحرينية الشهيرة د. بروين حبيب، هي التي لمعت ببرامجها المتميزة، وصارت أشهر من نار علم، من خلال ظهورها على شاشة تلفزيون دبي في”حلو الكلام”، و”نلتقي مع بروين حبيب” وبرنامجها الخاص”بروين شو” وآخر إبداعاتها برنامج “وجهان لحكاية”. د. بروين حبيب بروين ابنة المنامة، العاشقة لشعر نزار قباني، والمتيمة بروح محمود درويش الإبداعية، التي “أعطت المرآة ظهرها”، وأصبحت ظاهرة إعلامية استثنائية لن تتكرر أبداً، فقد كانت منذ “طفولتها الورقية”، والتلفزيون حاضن له، حيث شاركت في برامج الأطفال في تلفزيون البحرين، وهي في الحادية عشرة من عمرها، ربما كانت مدركة آنذاك أن تلك الأجواء هي التي تناسبها، وستجد نفسها فيها، وستتألق عاما بعد عام تحت أضواء الشهرة. بروين تلك السيدة الأنيقة، المهتمة والمهمومة بالشأن الثقافي، أصدرت دواوين شعرية، ودراسات بحثية، وكتبت في أدب الأطفال، وشاركت في محافل أدبية، ونالت جوائز عدة، وكُرمت لمجهوداتها التنويرية، واهتمامها باللغة العربية. امرأة خليجية ذات ذوق رفيع، وثقافة واسعة، سحرت الجمهور العربي بإطلالتها الأنثوية الباذخة، وصوتها الناعم، واختطفت الأضواء لربع قرن ولازالت، حيث استضافت أكثر من ألف شخصية من المبدعات والمبدعين في الشرق الأوسط، والآن فتحت بيتها في دبي كصالون أدبي ثقافي، لتستقبل فيه كل من يهمه شؤون الثقافة والمعرفة، وفي آخر لقاء للدكتورة بروين حبيب، أجري في تلفزيون الكويت، ذكرت أنها تلم قصاصات لقصائدها المبعثرة، لتصدر ديوانها الجديد، بعنوان “امرأة غير صالحة للزواج”.. ويالها من امرأة مدهشة.. حلقت وتألقت كنجمة كونية، ضوؤها تمدد في آفاق بعيدة، فأنار الثقوب المظلمة بتوهج وزهو.