في تاريخ الفن السابع، قصصٌ لم تكتبها الكاميرات، بل خطتها المواقف الشجاعة واللقاءات التي كانت تهدف لتغيير وجه التاريخ السينمائي. ولعل من أعظم هذه القصص ما سأرويه اليوم في “إطلالة سينمائية”، وهي أمانةٌ تاريخية نُقلت إليّ مباشرة بلسان صاحبها؛ المنتج السعودي الرائد الراحل الأستاذ محمد فوزي قزاز -رحمه الله- في أحاديث خاصة جمعتنا، والله على ما أقول شهيد. مشروع “زلزال” في قلب هوليوود كشف لي الأستاذ محمد قزاز عن تفاصيل مشروع سينمائي عالمي كان يخطط له مع أسطورة السينما العالمية “مارلون براندو”. لم تكن الفكرة مجرد تعاون تجاري، بل كانت محاولة سعودية-عالمية جريئة لإنتاج فيلم سينمائي ينصف القضية الفلسطينية، ويقدم الرواية العربية بلسانٍ عالمي يثق به الجمهور الغربي. وقد وُلدت فكرة هذا المشروع في توقيتٍ استثنائي، وتحديداً في أعقاب انتصار أكتوبر 1973م؛ تلك اللحظة التاريخية التي استعاد فيها الإنسان العربي ثقته بنفسه، وفرض فيها هيبته على الساحة الدولية. في ذلك المناخ المشبع بروح النصر، سعى “قزاز” لتحويل هذا العبور العسكري إلى “عبور ثقافي” يخترق العقل الغربي من خلال شاشات السينما. براندو، الذي هزّ أركان هوليوود في عام النصر نفسه (مارس 1973) برفضه جائزة الأوسكار انتصاراً لـ “الهنود الحمر”، كان قد وصل إلى قناعة تامة بأن السينما الأمريكية تُستخدم كأداة لتغييب الحقائق. وفي المقابل، كان محمد فوزي قزاز يمتلك الرؤية والقدرة والرغبة في استثمار هذا التحول الكوني لكسر الحصار الثقافي، وتوظيف “القوة الناعمة” في أبهى صورها. كواليس المحاربة والمنع أكد لي الأستاذ قزاز أن اللقاءات والترتيبات مع براندو وصلت إلى مراحل متقدمة، لكن “ماكينة” هوليوود ومن خلفها اللوبيات المؤيدة لإسرائيل، استشعرت الخطر مبكراً. فاجتماع “كاريزما” براندو العالمية مع “إرادة” منتج سعودي يدفعه فخر انتصار أكتوبر، كان يعني ولادة عمل سيغير الموازين ويعيد صياغة الوعي العالمي تجاه الحق الفلسطيني. واجه المشروع حرباً شعواء؛ فبراندو تعرّض لحملات تشهير وصلت إلى اتهامه بـ “الجنون” و”معاداة السامية” لإسقاط مصداقيته، بينما حُصر المنتج محمد قزاز في دوامة من العراقيل الإنتاجية والتوزيعية التي تضمن وأد الفيلم في مهده ومنع وصوله إلى صالات العرض العالمية. أمانة الكلمة وشرف المحاولة إن استحضار هذه القصة اليوم عبر “اليمامة” ليس مجرد استعادة للذكريات، بل هو توثيق لريادة الإنسان السعودي في دعم قضايا الحق. لقد كان محمد فوزي قزاز فارساً في ميدان الإنتاج، وكان مارلون براندو صوتاً للضمير الإنساني الذي لم تشترِه أضواء الشهرة. وعلى الرغم من أن الفيلم لم يرَ النور، إلا أن هذه الشهادة تثبت أن “قول الحق” هو الشرف الأسمى الذي يصبو إليه المبدع والمسؤول. سيبقى ذكرى هذا المشروع وساماً على صدر الإنتاج العربي، وشاهداً على أن المعركة من أجل الحقيقة تستحق التضحية، حتى وإن وقفت ضدها إمبراطوريات الإعلام.