قراءة رغم رفض الأهل.

عندما يحب أحدٌ القراءة فلن يستطيع أن يقف أمامه أي عائق ولو كانت أسرته الصغيرة أو الممتدة. قد يكون المنع قمعيًّا ومباشرًا يتجلى في المنع من الإمساك بأي كتاب غير الكتب المدرسية أو منع دخولها للمنزل، وقد يكون بشكل إيحاءات سلبية غير مباشرة؛ كبعض العبارات التي تشير إلى عدم جدوى القراءة، من مثل: “الكتب تضيع الوقت”، “اقرأ ما يفيدك”، “توجه لكتبك المدرسية”. فهذا الكاتب الأرجنتيني الكبير خورخي بورخيس (1899-1986)، الذي كتب كثيرًا وقرأ أكثر، بل أكثر من معظم من أتى إلى هذا العالم، رغم أنه أصيب بالعمى نصف عمره تقريبًا، ورغم أن أمه كانت تنصحه في طفولته أن يترك الكتب وأن يخرج إلى الشارع ويستنشق الهواء ويلعب مع الأطفال ويعيش حياته الطبيعية، فقد كان متعلقًا بالقراءة وكأنها جزء من حمضه النووي. هناك- عربيًّا- عميد الأدب العربي طه حسين، الذي حينما فقد بصره طلب منه أهله أن يكتفي بحفظ القرآن حتى يقرأه لأهل محلته، وقد يصبح شيخًا لقريته، لكنه أصر على القراءة وكسب العلم، وساعده في ذلك أخوه، الذي كان يقرأ له الكتب، ثم انتقل إلى القاهرة، ثم باريس حيث تزوج فيها بامرأة كانت إكسير تفوقه وسر كتاباته، كما قال في مذكراته، وكما قالت هي في مذكراتها عنه. وهناك أيضًا الكاتب المصري الكبير وصاحب البرنامج الإذاعي الشهير (لغتنا الجميلة)، الذي استمر أربعين عامًا، (فاروق شوشة)، فقد كان والده (في صغره) يمنعه من دخول مكتبته الخاصة خوفًا عليها، إلا أنه كان يتسلل إليها في أوقات معينة لكي ينهل منها، ما مكّنه بعد ذلك من أن يصبح نجمًا لامعًا في عالم اللغة العربية، حتى سمي (حارس اللغة العربية). أما الأديب المصري الفائز بجائزة نوبل في الأدب (نجيب محفوظ) فقد كان والده يعارض تعلقه بالقراءة، طالبًا منه أن يصبح طبيبًا أو مهندسًا، لكنه كان يذهب إلى المكتبات ويقرأ دون معرفة والده. وأما الكاتب ج. م. كويتزي، المولود في جنوب أفريقيا، فقد كان يتمارض في طفولته حتى لا يذهب إلى المدرسة ويبقى في البيت لكي يقرأ، رغم رفض أمه وأبيه الشديد، حتى حصل على جائزة نوبل للأدب عام 2003. ولدينا أيضًا الكاتبة الفلسطينية اللبنانية مي زيادة التي كان والدها يريدها أن تبرع في الأعمال المنزلية، لكنها كانت تقرأ سرًّا، وأصبحت من أبرز الكاتبات العربيات في العصر الحديث، وأَثْرَت المكتبة العربية بكتب من قبيل: باحثة البادية، وسوانح فتاة، وظلمات وأشعة، والمساواة، وبين الجزر والمد. أما الكاتب البرازيلي باولو كويلو فقد حاول والداه أن يمنعاه من القراءة لأنهما شعرا أنه أصبح انطوائيًّا، فأخذاه إلى مصحة عقلية عدة مرات وكان يهرب منها. يقول إنهما لم يكونا يفعلان ذلك لرغبتهما في إيذائه لكنهما لم يكونا يعرفان ما يجب عليهما فعله معه لكسر انطوائيته، لكنه وبإصراره أصبح كاتبًا مشهورًا وأتحفنا بروايته (الخيميائي). فكم لدينا من أشباه هؤلاء؟ وكم لدينا ممن استجابوا لأهاليهم وتركوا القراءة إلى غير رجعة؟