قد لا يخطر ببال قارئ الشعر أن تكون المائدة موضوعًا شعريًا جديرًا بالاحتفاء، لكن الشاعر أحمد الرمضان قلبَ المعادلة، فحوّل أطباق الطعام إلى قوافٍ، والملاعق إلى أوتار، والمائدة إلى مسرحٍ للغواية الشعرية. ولئن كانت قريش قد اشتهرت بـ(السخينة)، حتى قال فيهم كعب بن مالك يوم بدر: زعمت سخينةُ أن ستغلبَ ربَّها وليُغلبنَّ مغالب الغلابِ فقد ارتبط الطعام في الثقافة العربية دائمًا بالهوية والمكانة والذكريات، بل أطلقت العرب على الماء والتمر اسم “الأسودين” تعبيرًا عن شدة ملازمتهم لهما. أما أحمد الرمضان فقد تجاوز ذلك كله، ووهب المطبخ صوتًا شعريًا رخيمًا، وأقام على المائدة صرحًا أدبيًا لا يقل متانة عن دواوين الغزل والفخر. إنه شاعر يأبى أن يمر طبق شهيّ أمامه دون أن يدوّن اسمه، ولا أن تطهى أكلة شعبية دون أن يضعها في بيت من الشعر، يخلدها كما تُخلد الحبيبة في القصائد. استدعى من أكلات المملكة الأصيل منها والشعبي: من مجبوس الأحساء ومحموس القطيف، إلى مراصيع القصيم ومطازيز نجد، وحنيذ الجنوب وسليق الطائف، ثم منتو الحجاز ومليحية الشمال… مطبخ بأكمله تتحرك فيه الأوزان الشعرية كما تتحرك اليد في إناء الطبخ يصرّح الرمضان بشهيته الشعرية قائلاً: وأغرف من بحور الشعر بيتًا يمرُّ بخافقي عذبًا زلالا يعلن الشاعر، في واحدة من طرائفه الشعرية، هزيمته المعلنة في معركة الرجيم، وكيف أن محاولاته في إنقاص الوزن غالبًا ما تنتهي باستسلام لنداء المطبخ، فيقول: أخذتُ إجازتي ليخفَّ وزني وأطردَ من تدلِّي البطن همِّي وأولُ ما ابتدأتُ بها إذا بي بلا وعيٍ أسيرُ لطبخِ أمِّي وصار بجدولي أثرُ الصواني وكلُّ رياضتي تحريكُ فمِّي ولم يفت الشاعر أن يُكرر هذا المشهد في مواضع أخرى، مستسلِمًا أمام المائدة حين تتطاير الأطباق من حوله، فما إن يلوح في الأفق صحن مندي حتى ينهار أمام غوايته: إنه المنديُ في فكري يُنادي ساعد الله فؤادي وأنا أنهشُ ذاك اللحمَ ممزوجًا بأنواع الملذاتِ وتندى صلعتي البيضاءُ من عضِّ اصطيادي ودمعي في يدي كالملح بادي هكذا تتجسد معركة الرجيم عند الرمضان: معركة لا يكاد يخوضها إلا خاسرًا أمام مطبخٍ يعرف من أين يُؤكل الشعر قبل أن يُؤكل الطعام. يقدم الرمضان “أدب الطعام” في شكل لوحات كوميدية مشغولة بحرفية شاعر لا يستهين بالوزن والقافية، حتى وإن كان موضوعه قرص كنافة أو صحن كبسة. ولأنه مهووسٌ بالحلوى، لم يخفِ ولعه بالشكولاتة فقال: الحب… سرّ الحب… معنى الحب في… صفٍّ لأعوادٍ من الكت كات! وفي أحد طُرَفه الشعرية، يمشي مرهقًا في الطريق فيقرأ لافتةً مكتوبًا عليها “كافة التخصصات الطبية”، لكنه يتخيلها “كنافة التخصصات”، ويقول: هل أرى محض سرابٍ… أم ترى في العين آفة؟ من ترى مثلي قراها… لوحة المشفى كنافة؟ أما رمضان في شهر رمضان فحكاية أخرى عند الشاعر، حيث تزاحم الأطباق وتتهافت الحلوى: ورأينا الكعك والحلوى وقد… ملأت أطباقها كل الجهات وبلاليط ولقيمات لها… جانب الساقو على الطعم حلاة آه لو بين يدي سمبوسة… عزفت في المضغ نوت القرمشات وأعادت هذه الذكرى إذا حلَّ شهرُ الخيرِ بين الذكرياتْ لكن… هل كل هذا التغني بالأطباق مجرد شهوة بطن أم أن “في بطن الشاعر معنىً آخر”؟ حين كتب الرمضان قصيدته “الراقصة خلف الزجاج” التي يقول فيها: تدورُ حولَ عمودٍ وهي راقصةٌ… خلف الزجاج بفنٍ يلهب العملا فحاصرتني إغراءً يهيجني… وأومأت لي أقدمْ سيدي عجلا هل كان يتحدث عن الشاورما في دوّارة السيخ، أم عن فتاة أسرته بحركاتها، فاستعار الطبق ليكتم لهيب وجدانه؟ من يدري… فالمعنى دومًا، كما قالت العرب، في بطن الشاعر… وربما في معدته أيضًا. وهكذا يضعنا أحمد الرمضان أمام مشهد شعري غير مألوف، حيث تتحول المائدة إلى ديوان مفتوح، والطعام إلى استعارة لذة، والشهية إلى شهوة فنية تتسلل من المطبخ إلى القصيدة. إنه لا يكتب ليُشبع جوعه فقط، بل ليُشبع فينا رغبة التذوق، ويوقظ في ذاكرتنا طقوس الأكل بوصفها جزءًا من الهوية والحنين والفرح. ولعل هذا هو سر شعرية الأطباق عند الرمضان: أنه يعيد ترتيب علاقتنا بالطعام لا كحاجة بيولوجية، بل كحكاية تُروى، وذائقة تُغنّى، وضحكة تستحق أن تُوثق ببيت شعر… وربما بوجبة دسمة أخرى .