تحتلّ الموسيقى الحضرمية مكانة خاصة في خارطة الفنون العربية، بوصفها أحد أقدم وأغنى الأشكال الموسيقية في جنوب الجزيرة العربية. فهي موسيقى تشكّلت عبر تاريخ طويل من التفاعل الثقافي، متأثرةً بالبيئة المحلية من جهة، وبالامتداد البحري لحضرموت نحو شرق أفريقيا وجنوب آسيا من جهة أخرى. هذا العمق التاريخي منحها شخصية فنية متفردة، تقوم على مقامات وإيقاعات لها نكهتها الخاصة، وعلى علاقة وثيقة بين الصوت والوجدان الجمعي للمجتمع. في السنوات الأخيرة، عاد هذا الفن العريق إلى واجهة النقاش الثقافي، مع بروز تجربة محمد القحوم في إعادة تقديم بعض القوالب الحضرمية واليمنية عمومًا ضمن صيغة أوركسترالية حديثة. وهي تجربة أثارت اهتمامًا واسعًا، بقدر ما أثارت جدلًا مشروعًا، تجاوز حدود الذائقة الفنية ليصل إلى أسئلة أعمق تتعلق بالهوية، والتمثيل، وحدود التجديد. لا ينطلق الجدل من موقف رافض للتطوير أو معادٍ للحداثة، فالفنون بطبيعتها لا تعيش خارج الزمن، ولا يمكن حمايتها بالعزل أو الجمود. غير أن الموسيقى الحضرمية، بخلاف كثير من الأنماط الأخرى، تقوم على بساطة مدروسة، وعلى اقتصاد في اللحن، وعلى إيقاع يحمل في داخله ذاكرة المكان والإنسان. وهي موسيقى لا تُؤدّى فحسب، بل تُعاش، في المجالس، والمناسبات الاجتماعية، والطقوس اليومية. من هذا المنطلق، يرى منتقدو التحويل الأوركسترالي أن إدخال هذا الفن في قالب سيمفوني واسع، يعتمد على كثافة الآلات الوترية والهارمونية الغربية، قد يغيّر من جوهره التعبيري. فالأوركسترا، بما تحمله من طابع عالمي، تميل بطبيعتها إلى التوحيد الصوتي، في حين أن الموسيقى الحضرمية تقوم على الخصوصية، وعلى مساحات الصمت بقدر ما تقوم على النغم. ويخشى هؤلاء أن يتحول الفن، في سعيه للوصول إلى العالمية، إلى نسخة منقحة تفقد شيئًا من روحها الأصلية. في المقابل، يدافع أنصار التجربة عن هذا التوجه، معتبرين أن إعادة تقديم الموسيقى الحضرمية في صيغة أوركسترالية لا تعني بالضرورة إلغاء الأصل، بل قد تمثل جسرًا ثقافيًا يعرّف جمهورًا أوسع بهذا التراث، ويمنحه فرصة جديدة للحضور في المشهد الموسيقي العالمي. ويشيرون إلى أن كثيرًا من الفنون التقليدية في العالم لم تحافظ على بقائها إلا عبر أشكال مدروسة من التحديث. غير أن جوهر الإشكال لا يكمن، في نظر كثير من المتابعين، في مبدأ التحديث ذاته، بل في حدوده وضوابطه. فهناك فرق بين تطوير الفن من داخله، وبين إعادة تشكيله وفق منطق خارجي قد لا ينسجم كليًا مع بنيته الأصلية. كما أن مسألة التسمية والتمثيل تظل حاضرة بقوة؛ إذ إن الموسيقى الحضرمية ليست نتاج فرد أو جيل بعينه، بل هي حصيلة تراكم ثقافي طويل، ما يستدعي قدرًا عاليًا من الحساسية والمسؤولية في التعامل معها. في المحصلة، يمكن القول إن تجربة تحويل الموسيقى الحضرمية إلى أوركسترا، بما لها وما عليها، أسهمت في فتح نقاش ثقافي مهم حول علاقة التراث بالحداثة، وحول دور الفنان في التوفيق بين الإبداع الفردي والذاكرة الجماعية. وهو نقاش صحي، يعكس حيوية هذا الفن وقدرته على إثارة الأسئلة، لا بوصفه ماضيًا منتهيًا، بل كتراث حيّ ما زال قابلًا للحوار والتأويل. *نيو سوث ويلز، أستراليا