سؤال الهوية الحاضر:

من نكون بعيدًا عن الامتياز؟

ليس سؤال الهوية سؤالَ تعريفٍ بسيط، ولا هو تمرينٌ في الحنين، ولا استعادةٌ لملامح قديمة نُعلّقها على جدار الكلام. سؤال الهوية اليوم سؤالُ “حاضر” بامتياز: حاضرٌ يضغط، ويُحرّك، ويُربك، ويُعيد ترتيب الداخل قبل الخارج. وحين نقول: من نكون بعيدًا عن الامتياز؟ فإننا لا نُعلن حربًا على أحد، ولا نبحث عن خصومةٍ مع بنية المجتمع، بل نُحاول تفكيك لغةٍ راسخة في الوعي، لغةٍ صنعت صورة الإنسان قبل أن تصنع الإنسان نفسه. الهوية في معناها الثقافي ليست جوهرًا ثابتًا، بل “سردية” تُكتب وتُعاد كتابتها. نحن لا نعيش الهوية كما نعيش الاسم، بل كما نعيش الخطاب: تتداخل فيها اللغة، والرموز، والتوقعات، ومخاوف الجماعة، ورغبتها في التماسك. وقد يكون أخطر ما في الهوية حين تتحول إلى جهاز تصنيف: هذا أعلى، وهذا أدنى. هذا “صحيح”، وهذا “ناقص”. عندها لا تصبح الهوية معنى للانتماء، بل معنى للإقصاء. •عقدة الصورة: حين تصبح النظرة قانونًا المجتمع، بوصفه مجتمعًا، يملك عينًا واسعة: يرى، ويُسمي، ويصنّف. والعين الاجتماعية ليست شريرة بطبيعتها، لكنها تتحول إلى سلطة حين تجعل الإنسان يعيش داخل مرآتها لا داخل ذاته. هكذا يظهر سؤال “ماذا سيقولون؟” لا بوصفه سؤالًا عابرًا، بل بوصفه معيارًا للحياة. في هذا السياق تتكاثر الأقنعة: قناع الوقار، قناع النجاح، قناع الاتزان، قناع الكفاية… لا لأن الإنسان كاذب، بل لأن الإنسان يخاف انكشاف نقصه أمام محكمة الرأي العام. وما يحدث هنا هو انتقال الإنسان من “الوجود” إلى “التمثيل”: يصير أداؤه أهم من صدقه، ومظهره أهم من جوهره، وخطابه أهم من تجربته. •عقدة الامتياز: حين يصبح التفوق معنىً للذات الامتياز ليس شيئًا خارجيًا فقط؛ إنه معنى نفسي يتسلل للداخل. قد يكون الامتياز مالًا، أو مكانةً اجتماعية، أو قدرة على عبور ما لا يعبره الآخرون، أو شعورًا بأن الأبواب تُفتح بسهولة. المشكلة ليست في وجود الفوارق، فالفوارق قدر اجتماعي في كل مكان، وإنما في أن تتحول الفوارق إلى “هوية بديلة”. وهنا تقع المفارقة: الامتياز يمنح صاحبه شعورًا بالقوة، لكنه في الوقت نفسه يسلبه فرصة بناء القوة الحقيقية. لأن القوة الحقيقية تُصنع من الكفاءة، والانضباط، والتجربة، والخطأ والتعلم. أما الامتياز، حين يصبح مصدرًا للمعنى، فإنه يختصر الطريق على الإنسان، ثم يطالبه أن يصدّق أنه وصل بجهده وحده. فيعيش تناقضًا خفيًا بين ما يُقال عنه وما يعرفه عن نفسه. وحين نسأل: من نكون بعيدًا عن الامتياز؟ فنحن نسأل عن الذات عندما تفقد عصا الاتكاء. هل تبقى واقفةً بما فيها؟ أم تسقط لأن البناء كان خارجيًا؟ •عقدة المقارنة: حين يلتهمنا “المشهد” في زمن الصورة، تُختصر الحياة في لقطة. تُختصر السنوات في منشور. تُختصر المعاناة في ابتسامة. فيتكوّن وعيٌ جمعيّ يرى الحياة “كما تُعرض” لا كما تُعاش. وهنا يولد ضغطٌ خفيّ: لماذا هم أسرع؟ لماذا هم أوسع حضورًا؟ لماذا يبدو كل شيء عندهم أسهل؟ لكن المقارنة، في غالبها، ليست مقارنة بين واقعين، بل بين واقعٍ ومشهد. والمشهد مصنوع بعناية: يُظهر الثمرة ويخفي الجذر. ومع تكرار المقارنة يتولد القلق بوصفه نمطًا جماعيًا: قلق المكانة، قلق الإنجاز، قلق التأخر عن ركبٍ لا نعرف حقيقته. هذه العقدة لا تُنتج تحسينًا دائمًا، بل تُنتج إرهاقًا مستمرًا، وسباقًا بلا خط نهاية. •عقدة الخوف من الحرية: حين نطلب الطريق المضمون الحرية ليست مجرد مساحةٍ تتحرك فيها، بل امتحانٌ كبير للوعي: أن تختار ثم تتحمل نتائج الاختيار. وهذا الامتحان لا ينجح فيه الجميع بسهولة. لأننا تربينا طويلًا على أن “الصواب جاهز”، وأن “الطريق واحد”، وأن المختلف يحتاج دفاعًا قبل أن يحتاج فهمًا. لذلك تظهر لدى كثيرين رغبة في حلول مُسبقة: وصفات ناجزة للحياة، مسارات محددة للنجاح، نماذج جاهزة للإنسان “المثالي”. وحين يتغير الواقع بسرعة، يشعر الإنسان أن الأرض تتحرك من تحته، فيتشبث باليقين حتى لو كان يقينًا هشًا. وهنا، لا نحتاج إلى جلد الذات، بل إلى تدريبها: أن تتسع للاختلاف، وأن تتصالح مع فكرة الاحتمال، وأن تفهم أن الخطأ ليس فضيحة بل درس. •عقدة العصبية الرمزية: حين يضيق معنى الانتماء الانتماء قيمة، لكنه يصبح مشكلة حين يتحول إلى أداة فرز. حين يصير الإنسان “قبل كل شيء” ابن جماعته الصغيرة لا ابن المجتمع الكبير. وعندما تتقدم الدائرة الضيقة على الدائرة الأوسع، يبدأ التوتر. لأن الهوية تتحول من رابطٍ إلى متراس، ومن تعارفٍ إلى دفاع، ومن محبةٍ إلى حساسية. العصبية هنا ليست دائمًا قبيلة أو منطقة، بل قد تكون ذائقةً ثقافية، أو موقفًا فكريًا، أو صورةً اجتماعية. المهم أنها تعمل كقفلٍ يمنع التعارف، ويُنتج أحكامًا سريعة: هذا “يشبهني” فأقبله، وهذا “لا يشبهني” فأرفضه. والنتيجة: ضعف في الثقة العامة، وضيق في المساحة المشتركة. •عقدة الكبت العاطفي: حين نخجل من الإنسان فينا لدينا في المجتمع صلابة واضحة، وهذه الصلابة من جماليات التجربة؛ لأنها تُنتج قدرة على الصبر والعمل والتحمل. لكن الصلابة حين تتحول إلى قمع للمشاعر تصبح عبئًا ثقيلًا. يصبح التعبير عن القلق “ترفًا”، والاعتراف بالحزن “نقصًا”، والحديث عن الضغط “ضعفًا”. فيتراكم داخل الإنسان ما لا يجد لغةً يقوله، ولا مساحةً آمنةً يخرجه. فتظهر القسوة، أو السخرية، أو الانفجار، أو الانسحاب… كلها ليست إلا طرقًا بديلة لتفريغ ما لم يُسمح له أن يُقال. الإنسان الذي لا يتحدث عن ألمه لا يعني أنه لا يتألم، بل يعني أنه يتألم بصمتٍ أكبر. •عقدة النخبة: حين يحتكر الوعي نفسه ومن جهة أخرى تظهر عقدة معاكسة: نخبوية ثقافية ترى نفسها أعلى فهمًا، وأكثر استحقاقًا للحديث عن المجتمع. وهذه العقدة تعيد إنتاج نفس المشكلة التي تنتقدها: تصنع امتيازًا جديدًا، لكنه امتياز “مُقنّع” باللغة. فالوعي ليس بطاقة عضوية، وليس ختمًا، وليس لقبًا. الوعي ممارسة: تواضع، واستماع، وتفكير، وقدرة على مراجعة الذات. أما الاستعلاء الثقافي فإنه يزرع الجدار بدل أن يهدمه. من نكون بعيدًا عن الامتياز؟ نكون الإنسان حين يتخفف من زينة التصنيف، ويعود إلى جوهره: الاستحقاق. نكون الإنسان حين يصبح معيارنا أخلاقيًا ومعرفيًا، لا اجتماعيًا. نكون الإنسان حين لا نحتاج “المشهد” كي نصدق أنفسنا. نكون الإنسان حين نمتلك شجاعة الاعتراف: أنا لست كاملًا، لكنني قادر على التحسن. الهوية هنا ليست شعارًا، بل مشروع تربية: تربية على العدالة في الحكم على الناس، وعلى احترام قيمة الجهد، وعلى قبول الاختلاف بوصفه ثراءً لا تهديدًا. وحين نستعيد سؤال الهوية بهذه الطريقة، نكتشف أن المجتمع ليس كتلة واحدة من “العيوب”، بل هو كائن حيّ، يتعلم ويتغير، ويُجرّب ويتألم، ويبحث عن توازن جديد. وهذا البحث ليس علامة ضعف، بل علامة حياة.