الأخضر حين يواجه الأخضر.

ليس كل أخضرَ أخضرَ. و ليس كل من رفع اللون، حمل المعنى. في المشهد الإقليمي، تتشابه الرايات أحياناً، لكن تتباين الهويات السياسية جذرياً. و هنا يجب أن يكون الوضوح صريحاً: أخضر المملكة العربية السعودية ليس لوناً بين ألوان، بل معياراً يُقاس عليه غيره. الأخضر السعودي هو أخضر الدولة.. أخضر تشكّل عبر قرون من بناء الشرعية، و ضبط القوة، و إدارة التوازن بين الداخل و الخارج. أخضر لا يُستعار .. و لا يُستنسخ .. و لا يعمل كحملة علاقات عامة، بل كنظام حكم متكامل، يعرف أن البقاء ليس صدفة، و أن الاستمرار لا تصنعه القفزات، بل التراكم. وحين يواجه الأخضرُ الأخضرَ، لا يكون الحديث عن تشابه ألوان .. بل عن فرز. هناك أخضر يقوم على مفهوم الدولة: حدود واضحة، قرار مركزي، مؤسسات تعرف دورها، و صبر استراتيجي يفهم أن الزمن عنصر قوة لا عبء. أخضر يدير التناقضات بدل أن ينكرها، و يُغلق الملفات قبل أن تتحول إلى ألغام سياسية أو أخلاقية. و هناك أخضر آخر، قد يشارك اللون، لكنه يفتقد الجذور. أخضر المشاريع المؤقتة، و الطموحات السريعة، و الحسابات القصيرة، حيث يُختزل النفوذ في الحركة، و تُختزل الدولة في الدور، و تُستبدل السيادة بالعلاقات .. و الفرق هنا ليس رمزياً، و لا لغوياً .. بل الفرق وجودي. المملكة العربية السعودية لم تبنِ أخضرها ليُرفع في الصور، بل ليصمد في العواصف. لم تُراكم القرار لتستعرضه، بل لتحمي به الداخل أولاً، ثم تُعيد من خلاله تشكيل محيطها بثبات. و لهذا، لم يكن الاستقرار السعودي حياداً، و لا تردداً، بل خياراً واعياً يدرك كلفة الفوضى، و يرفض أن يُدار بمنطق ردّات الفعل. في إدارة النفوذ، يظهر الفرق أوضح .. أخضر الدولة السعودية يرى أن كل تمدد غير محسوب هو عبء مؤجل، و أن النفوذ الحقيقي هو القدرة على الضبط، لا على الانتشار. أما أخضر المشروع، فيتعامل مع النفوذ كغنيمة، و مع الجغرافيا كساحة مفتوحة، و مع الزمن كعامل يمكن تعويضه بالمال أو الإعلام. حتى في لحظات الصمت، يتجلى التباين ، الصمت السعودي ليس فراغاً، بل امتلاء بالقرار. هو صمت من يعرف متى يتكلم، و متى يترك الآخرين يستهلكون أوراقهم. بينما يخشى أخضر المشاريع الصمت، لأنه يكشف هشاشته، فيملأ الفراغ بالتصريحات، و الحملات، و الرسائل المتناقضة، ظناً أن الضجيج يمنع المحاسبة. وحين تتشابه الألوان، يلتبس الأمر على المتلقي السريع .. لكن الزمن ليس لديه عمى ألوان. الزمن يفرز بين دولة تستطيع التراجع خطوة لتحفظ المسار، و مشروعٍ يتقدم خطوتين ليخسر الاتجاه كله. يفرز بين من يعرف متى يتوقف، و من لا يعرف إلا الهروب إلى الأمام، حتى لو انتهى الطريق عند الحافة. لهذا، فإن المواجهة الحقيقية بين الأخضر و الأخضر ليست مواجهة مباشرة، و لا صداماً معلناً .. بل هي مواجهة هادئة، طويلة، تحسمها النتائج لا التصريحات، و الاستمرارية لا الحملات، و القدرة على البقاء لا القدرة على الإخضرار. في النهاية، اللون يبقى لوناً ..لكن الدولة تُقاس بما يبقى بعدها، لا بما يلمع قبلها. و أخضر المملكة العربية السعودية ليس مجرد لون سيادي .. بل ذاكرة دولة، و عقل قرار، و معيار لا يُقاس عليه إلا الزمن. و ما سواه، مهما تشابه اخضراره في الدرجة أو الخطاب .. ليس بالضرورة أن يكون أخضرَ.