غياب التفاعل.
حين يكتب الكاتب، لا يفعل ذلك لملء فراغ في صحيفة، ولا لأداء واجب مهني عابر، بل لأن الكلمة لديه مسؤولية، ومحاولة لفهم ما يجري من حوله قبل أن يقدّمه للآخرين. فالكتابة ليست رسالة موجهة لشخص بعينه، بقدر ما هي حديث مع وعيٍ عام يتشكل ويتراكم، لأن القارئ في النهاية جزء من رأي عام، قد يصل صداه إلى المسؤول، أو يظل في طي الصفحات. وغالباً ما يكون التفاعل الرسمي مع ما يُكتب محدوداً، لا لضعف الطرح، بل لغياب ثقافة الإصغاء الجاد لما يُنشر خارج الأطر الرسمية. ودور الكاتب هنا لا يتجاوز نقل ما يشعر به الناس، وما يحتاجونه، وإبراز الإيجابي حين يوجد، دون ادعاء تمثيل أحد. وكان من المفترض أن تقوم إدارات العلاقات العامة بدور حلقة الوصل بين الكاتب والمسؤول، إلا أن هذا الدور تراجع، وانحصر في أعمال شكلية، ثم ازداد ضعفاً مع شيوع مفهوم المتحدث الرسمي، الذي انشغل في كثير من الأحيان بالدفاع والتبرير أكثر من المتابعة والتصحيح. بينما الدور الحقيقي للعلاقات العامة هو قراءة ما يُكتب، ونقله بوضوح، ثم العودة برد مهني شفاف، يعترف بالخلل أو يوضح مسار المعالجة. وفي الوقت الذي كانت فيه الصحافة الورقية مصدراً أساسياً للثقافة والمعرفة، تراجع حضورها اليوم تحت ضغط الإعلان والعائد المالي، فخسرت جزءاً من تأثيرها لصالح الصحافة الإلكترونية التي فرضت نفسها بسرعة الخبر واتساع الانتشار. ومع هذا التحول، تغيرت طبيعة العلاقة بين الصحافة والمسؤول، فأصبحت في كثير من الأحيان علاقة رسمية تميل إلى المجاملة أكثر من المصارحة، وإلى السلامة أكثر من الجرأة. ومع تعدد مهام الصحفي بين الكتابة والتصوير وجمع المعلومات، لم يعد التنوع خياراً، بل ضرورة تفرضها ادوات العصر. وكانت مواقع التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها منصة إكس، الأسرع وصولاً إلى القارئ واهتمام المسؤول، دون أن يعني ذلك انتقاصاً من قيمة الصحافة، بل هو تحوّل في وسيلة التأثير لا في مضمون الرسالة. ورغم ذلك، ما تزال للصحافة مكانتها، لكنها خضعت لمنطق السرعة، فاستحوذت الصحافة الإلكترونية على النصيب الأكبر من المتابعة، في وقت تراجعت فيه القراءة المتأنية، وأسهمت حرية النشر غير المنضبطة في انتشار المحتوى السطحي، حتى بات الطرح الجاد أقل حضوراً، وتحول أحياناً إلى مادة سريعة الاستهلاك تحجبها التعليقات العابرة عن قيمتها المنشودة. وفي الختام، تبقى المسؤولية الأولى على الكاتب، الذي ينبغي أن يحافظ على صدق كلمته، فلا يؤجل الموقف، ولا يساوم على الحقيقة، لأن الكلمة حين تفقد استقلالها تفقد أثرها. كما تبقى على القارئ مسؤولية لا تقل أهمية؛ فكلما ارتفع وعيه بالقراءة المتأنية والنقاش الهادئ، اتسعت رؤيته، وازدادت قدرته على التمييز، واستعادت الكلمة مكانتها التي تستحقها، مهما تغيّرت وسائل الطرح.