توفيق الحكيم في «سجن العمر»..

رحلة بين السينما والمسرح و«المشخصاتية».

  يعمد توفيق الحكيم إلى نوع من التلاعب بقارئه، لكنه تلاعب عذب، فالقارئ سيكتشف أن الرجل لا يكتب سيرة كاملة في كتاب واحد، وإنما تطل مشاهد سيرته من خلال رواياته، تدرك هذا في كتبه التى كتب في وصفها سيرة أو (رسائل) فهو في “زهرة العمر” يذكر أشخاص روايته “ عصفور من الشرق” على أنهم أفراد حقيقيون ويشير إلى ما ذكره من سيرتهم في الرواية، ويشير كذلك إلى مواقف حصلت معه ذكرها في رواية “ عودة الروح “ ، إذ إن بطل رواية “عودة الروح وعصفور من الشرق” محسن على الأغلب هو نفسه توفيق الحكيم الذي يظهر لنا باسمه في كتابي سيرته،  “زهرة العمر” و”سجن العمر” ، كما تظهر مشاهد من سيرته تكمل ما لم يذكره في تلك الكتب في كتب أخرى، مثلا كتب في كتابه “مصر بين عصرين” أحاديث عن سفره بالباخرة إلى باريس، وعن صديقه الدكتور سعيد ولقائه بأمير الشعراء، ولا يشك أحد أن ما أورده من حكايات في روايتيه “يوميات نائب في الأرياف” و”عدالة وفن” إنما بنيت أحداثهما على ما مر به في عمله في النيابة مع تصرف يسير، ورغم أن كتابه الذي نعرضه هنا “سجن العمر” تأخر ظهوره عن زهرة العمر إلا أنه يعرض سيرته منذ الولادة وسيرة والديه وأخيه ودراسته في المدارس الأميرية في شتى المدن التى تنقل فيها مع والده، والتي انتهت به إلى الإسكندرية ثم إلى القاهرة ليتابع دراسة البكالوريا، وهنا يقفز على مدة من دراسته قبل الجامعية في القاهرة، تلك التي رواها في حديثه عن محسن في عودة الروح، ثم يتحدث عن غرامه بالمسرح وعلاقاته مع رجال المسرح المصري خلال سنوات دراسته للحقوق في الجامعة، ويتركها عند قرار والده ابتعاثه للحصول على الدكتوراه في القانون من باريس، والهدف إبعاده عن “المشخصاتية” عساه يصلح قصوره في القانون، وهنا يقفز عن مذكراته في باريس التي ذكرها في زهرة العمر ليكمل الحديث عن والده ونشاطاته المتعلقة بالزراعة والمعمار عندما تقاعد كما يورد سيرة أخيه حتى توفي كلاهما.  ولا شك أن القارئ يتساءل لماذا سمى مذكراته في باريس “زهرة العمر” بينما سمى مذكراته في بلده سجن العمر، لكنه ربما نفيا لسوء الظن يقول: “حريتي هي تفكيري، أنا سجين في الموروث، حر في المُكتسب.. وما شيدته بنفسي من فكر وثقافة هو ملكي، وهو ما أختلف فيه عن أهلي كل الاختلاف، ها هنا مصدر قوتي الحقيقية التي بها أقاوم…  الإنسان حر في الفكر سجين في الطبع… ولست أدري أهي مجرد مصادفة أن أكتب عن تكوين الفكر في “زهرة العمر” قبل أن أكتب عن تكوين الطبع في “ سجن العمر”، إن زهرة عمرنا الفكر، وسجن عمرنا الطبع”. ولعمري هذا لا خلاف عليه.  ولد صاحبنا مع مطلع القرن العشرين، لم يكن أبوه حاضرا، فقد كان يمارس عمله في إحدى مراكز الريف، عند اقتراب الولادة ذهبت والدته إلى أهلها في الإسكندرية فولد في بيت خالته، وأرسل زوج خالته مهنئا بسلامة الوصول، وقال إن الطفل مثل أبيه ولكن بدون شوارب، لم يوفق والده إلى اسم له ففوض الأمر إلى زوجته فسمته اسما مركبا “حسين توفيق” بن إسماعيل الحكيم. لم يرق الاسم للأب ولعله أسقط منه اسم حسين، ولكن الولد استخدم اسم حسين توفيق في مسرحياته الأولى مغفلا اللقب حتى لا تعرف عائلته أن ابنها يعمل مع “المشخصاتية”.  الأم تنتمي إلى عائلة تمتد بجذورها إلى فارس وتركيا، ويقال إن جدها هو الصوفي “ أبو يزيد البسطامي” لم يرث الابن زرقة عيني والدته. الوالدة حازت شيئا من التعليم لم يكن متاحا لمثيلاتها، فإن أخاها لابيها وابن خالتها في نفس الوقت كان يقرأ لإخوته من “ألف ليلة وليلة”، وكذلك أقنع العائلة أن تتيح لها التعليم، فذهبت إلى معلمة أجنبية علمتها شيئا من القراءة والكتابة، ثم أحضر لها شيخا علمها بعض القرآن الكريم، انتقل غرام الأم بكتاب “ألف ليلة وليلة” إلى توفيق. فقد حدث أن قضت أمه وقتا طويلا في الفراش بسبب المرض، فكانت تقرأ من هذا الكتاب لأبنائها، يتوسع خيالهم حين تقارن بعض أبطال الكتاب ببعض من يعرفونهم من الجيران، في حفلة زواجها شهدت استقدام حميدة العالمة، والعالمة هى مغنية لديها فريق من المساعدات، أصبحت حميدة صديقة للأم، تنزل في بيتهم إذا زارت الإسكندرية، وتغني لهم فتأسر لب الفتى.  أما أبوه فقد كان من رجال القضاء، عمل قاضيا في عدة مناطق في الريف، درس في كلية الحقوق، كان صديقا ل “عبد العزيز فهمي” السياسي واللغوي الشهير، وقد كتب عن صداقتهما الأديب عباس محمود العقاد، فقد كان لهما نشاط في الشعر والفكاهة والتواليف (المقالب)، ولكن أباه هجر كل ذلك أمام إصرار زوجته على تنمية دخل الأسرة، فالتزم بعمله وتخطيط حياته وتنمية دخله بالعناية بالعزبة التي اشترتها زوجته، وتركت له إدارتها، وهذه أوقعتهم في ديون مع البنوك، وقد ظل سداد الديون هماً للأسرة حتى كبر الأولاد. كان الأب وطنيا، وشعر بأنه إذا أصر على الحكم بالعدل في قضية أراد الإنجليز أن يوقعوا فيها بالمتهمين، لكن الرجل وبتأييد من زوجته التزم بالحق، وعليه حُرم من الكثير من الترقيات الوظيفية أسوةً بمجايليه، لكنه بقي مع شرف المهنة طوال العمر. يتحدث الحكيم طويلا عن والده ووالدته ويحلل صفاتهما وشخصيتهما، وكيف انتهى هذا المزيج إلى صفاته هو.  تأخر توفيق في الالتحاق بالمدرسة فقد كان في العاشرة حين ابتدأ دراسة الإبتدائية، كان محظوظا عندما ابتدأ دراسة المرحلة الثانوية، فقد كان مدرس اللغة العربية مبدعا، كان معمما وعصري التفكير في نفس الوقت، لم يشأ التقيد كغيره بالبرامج العتيقة، جعل يحبب إلى طلابه الأدب العربي، ويجذبهم إليه بالإقلال من شعر الحكم والمديح والمواعظ، وكانت تلك ثقيلة على قلوب الفِتية، وأكثر لهم من شعر الغزل الرقيق لعباس بن الأحنف ومهيار الديلمي وعمر بن أبي ربيعة، وكان تفاعل الطلاب مع ذلك هائلا، وهكذا التفت الطلاب إلى الأدب العربي،  هذا الاهتمام جعل بعض الطلاب يحشرون في موضوعات التعبير أبيات من الشعر ويرصعون أساليبهم بالسجع والمحسنات البديعية ، ولكن صاحبنا لم يعن بذلك، ولم يستعمل عباراتٍ محفوظةً، وترك نفسه في الكتابة على سجيتها، ولم يتكلف أناقة زائدة، توقع التوبيخ ولكن أستاذه قال مقرظا: “ أحسنت: إن خير البيان ما لا يُتكلف فيه البيان”. بعدها تعرف على المكتبات التي تؤجر الكتب لمن يقرأها، فقرأ الكثير من الروايات والأعمال الأدبية الأوروبية، وأكثر من التردد على  السينما، مما كان سببا لرسوبه في الامتحان، ولذا فقد عاقبه الأهل بحرق الكثير من رواياته، فحلف لوالده يمينا ألا يدخل دارا للسينما حتى ينتهي من دراسته، ولم يحنث في يمينه فلم يدخل دارا للسينما حتى انتهى من كلية الحقوق، ولكنه عندما انتقل القاهرة تردد على المسرح فلم يكن اليمين الذي اقسمه يشمل المسرح ولم تكن كلمة المسرح قد عُرفت بعد، كان يُسمى تياترو وأظنها تحويرا للكلمة الإنجليزية theatre ، وكان شارع عماد الدين يحوي عددا كبيرا من المسارح، منها مسرح فرقة عكاشة، ومسرح منيرة المهدية ومسرح الريحاني ومسرح الكسار، ومسرح جورج أبيض . وبلغ من تعدد المسارح أن بعض الروايات كانت تقدم في مسرحين منفصلين في نفس الوقت بإخراج وممثلين مختلفين، وكان المسرح يعتمد على نصوص المسرحيات والأوبريتات الأوروبية، يجري عليها التمصير والترجمة والاقتباس، يشرح المؤلف الفروقات بين هذه الأساليب ولكن الجوهر الأجنبي هو الأصل. وقد تم عرض مسرحيتين من تأليفه، مسرحية “ العريس” ومسرحية “خاتم سليمان” التي شاركه أحد الزملاء في تأليفها، وهي مسرحية غنائية. وعندما عاد من فرنسا كانت معظم هذه الفرق المسرحية قد انتهت، يعزو توفيق السبب إلى نشوء الأحزاب السياسية التى شجعت الكتابة في الصحافة، فحلت الصحافة مكان المسرح، وكذلك بدأت السينما العربية، فتحول ممثلو المسرح إلى السينما، ثم نشأ المسرح القومي الذي رأسه الشاعر خليل مطران وكان من أوائل ما تم عرضه مسرحية “ أهل الكهف” لصاحبنا، كان مسرحا رفيعا يحتاج قدرا من الثقافة لم تكن تتوافر لأكثر الجمهور، ولذلك لم يكن عدد النظارة كبيرا كالمسارح السابقة، واحتاج بعض الوقت ليكسب الجمهور.   في السنة النهائية بكلية الحقوق كاد انشغاله مع الممثلين والملحنين يعيقه عن الامتحان، ولكنه بالجد في الشهرين الأخيرين نجح،  وحيث إن سلك القضاء لم يكن يقبل إلا الأوائل فلم يقبل توفيق ، فنصحه أبوه أن يتجه إلى المحاماة، ثم اكتشف الوالد أن ابنه يقضي وقته مع المشخصاتية، واستنكر ذلك ، لم يكن ضد الأدب والفن ولكنه فقط لا يرى أن يستند أحد إلى الفن في كسب عيشه، وأخيرا رأى الأب أن يصحبه ليستشير لطفي السيد الذي لم يكن قد أصبح مديرا للجامعة المصرية، وكما قال الوالد فإن تعلق لطفي بالأدب انتهى به إلى العمل في مخزن الكتب ، والمقصود هو دار الكتب المصرية، خلال الزيارة ارتاح لطفي لما علمه من ميول توفيق الأدبية ونصح والده بابتعاثه إلى فرنسا للحصول على الدكتوراة، لأن ذلك سيؤهله للتدريس في الجامعة المصرية التى سوف يتم افتتاحها قريبا، أو أنها ستؤهله للعمل فيما أسماه القضاء المختلط، فإن هذا العمل مقره المدن الكبرى، حيث يرضي ميوله الأدبية.    ذهب توفيق بالباخرة، معه حقيبة، بها بدلتان، وأربع فانيلات، وأربعة قمصان، عاد بعد سنوات يحمل نفس الحقيبة لم ينقص منها شيء، يصحبها مجموعة من الحقائب إمتلات بالكتب التي جمعها على مدى أعوام، عاد بكل ذلك، لكنه لم يعد بما ذهب للحصول عليه: الدكتوراه في القانون، “ فإن بطء الفهم عندي، وواعيتي الضعيفة، بالإضافة إلى أعباء الجهاد الثقافي الشامل الذي ألقيت بنفسي في لُجته، مع النهم الفكري الذي استولى عليّ أمام موائد الحضارة الكبرى.. كل هذا لم يترك لمثلي القوة ولا القدرة على حمل عبء آخر” عاد ومن حوله من أهله يتهامسون: “ يا خيبتنا… يا خيبتنا”.