سباق المسافات الطويلة لليونسكو.

كتب الدكتور “إسماعيل سراج الدين” مقالاً في مجلّة “الهلال” بعنوان: “لم يتحقّق هدفي في اليونسكو، ورُبّ ضارّة نافعة”. والدكتور “سراج الدين” عمل في “البنك الدولي” لمدة 28 عاماً، إلى أن وصل إلى منصب نائب الرئيس، وكتب في مقاله الذي تناول سيرة حياته العلمية والعملية، أن اسمه كان مُتداولاً في الأوساط الدولية ولم يكن معروفاً في بلده “مصر”، إلى أن جاء ترشيحه لتولّي إدارة منظّمة “اليونسكو” في انتخابات عام 1999. ويقول إن كثيراً من الشخصيات العالمية التفّوا حوله يؤازرون ترشيحه، حتى أنه حين طُلب منه الانسحاب لصالح المرشّح العربي “الدكتور غازي القصيبي”، رفض قائلاً: أن هؤلاء الذين وقفوا إلى جانبه حمّلوه آمالاً وطموحات كان يسعى لتحقيقها.. إلا أنه لم ينجح، وعزا فشله في الوصول إلى هذا المنصب إلى أن للدول حسابات سياسية أخرى أدّت إلى نجاح المرشّح الياباني، وأن العلاقة بينه وبين “القصيبي” كانت وستظلّ تتّسم بالمودّة والصداقة. أما الدكتور “القصيبي” رحمه الله، فقد ألقى محاضرة في جامعة “البحرين” بعنوان: “تجربة اليونسكو: دروس الفشل”، قال فيها: بأن معركة “اليونسكو” التي شغلت الرأي العربي العام المثقّف، ودارت رحاها أكثر من سنة، كانت حرباً حامية الوطيس، متعدّدة الجبهات، وانتهت بانتصار المرشّح الياباني انتصاراً كاسحاً. وأشار إلى أن حكومة المملكة أعطته دعمها الكامل، وكذلك أعطاه الأشقاء العرب تأييداً منقطع النظير، ومع ذلك فقد كان هو المسئول إلى حدّ كبير عن وضع استراتيجية الحملة وتطبيقها، ولذا فإنه هو من يتحمّل المسئولية عن الفشل. ثم أوضح المُحاضر العوامل التي أدّت إلى انتصار المرشّح الياباني بالتفصيل، وهي باختصار: التخطيط بعيد المدى، واستخدام كلّ الأسلحة في المعركة، والقراءة الصحيحة للواقع الدولي، والحيلولة دون ظهور خصمٍ قويّ واحد، والاعتماد على مصادر معلومات دقيقة، والتركيز على الهدف الرئيس، وعليه وحده. ويستدرك بالقول إنه يذكر هذه العوامل من باب الإعجاب والاستحسان لأصدقائنا اليابانيين، لا النقد والاستهجان، حيث خاضت اليابان الحملة وشعارها: (في الحُبّ والحرب يجوز كلّ شيء)، وخُضناها وشعارنا: (شرَفُ الوثبةِ أن تُرضي العُلا غُلِبَ الواثبُ أم لم يُغلَبِ) ثم يقول: أنه تمنّى ولات حين التمنّي، لو اتّبعنا الشعار الياباني، وتركنا بيت الشّعر الجميل لمعارك أُخرى أقلّ ضراوة. وفي ختام محاضرته يُقرّ “القصيبي” بأن المُجاملات كلّفتنا ثمناً باهظاً، وكانت في النهاية سبباً رئيساً في الهزيمة، في إشارة إلى مواقف بعض الدول التي أعلنت تأييد المرشّح العربي، دون أن تقوم بالإيعاز لمواطنها بالانسحاب.. تلك المجاملات التي كانت منطلقة من نوايا طيّبة، إلا أن نتائجها كانت مؤذية للأسف، كما يقول المثل الغربي: “إن الطريق نحو الجحيم مُعبّد بالنوايا الحسنة”.. ثم يضيف: بأن هزائم اليوم يُمكن أن تتحوّل إلى انتصارات الغد، بشرط أن نواجه أنفسنا ونواجه الحقائق؛ فنُسمّي الانتصار انتصاراً، ونُسمّي الفشل فشلاً. ولم يكتفِ د. “القصيبي” بهذه المحاضرة، حيث أنه سبق أن وُجّه إليه سؤالاً حول ما سيفعله إذا لم يفُز بالمنصب، فقال على الفور: “كتابة رواية”,, وهذا ما حصل، فقد كتب رواية بعنوان “دنسكو”، تدور أحداثها في مُنظّمة دولية خيالية اسمها “دنسكو”، وهو مصطلح يكاد يُرادف بلُغة الوزن والتلميح لمنظمّة “اليونسكو”. يتحوّل مؤلّف هذه العمل من مُجرّد ناقلٍ أمين لتجربته الذّاتية في المنافسة الانتخابية، إلى روائيٍ خيالي يفضح الصّور السلبية التي تتّصف بها مثل هذه المنظمّات، وما يدور فيها خلف الكواليس، وليس في صندوق الاقتراع. وبذلك يكون قد نجح في تخطّي عقبة الحُكم الشخصية، أو الشكوى من تجربة فعلية خاضها في انتخابات مُنظّمة كان هو أحد المُرشّحين لإدارتها. وحقيقةً، يرى الكثيرون أن هذه التجربة لم تكن فاشلة على الإطلاق، خاصّةً أن “القصيبي” كان مُرشّحاً قويّاً لهذا المنصب، ومن ثمّ فإن الرواية التي كتبها لا تعدو أكثر من كونها مُحاكاة روائية لوقائع حقيقية سلبية عن “اليونسكو”، لكنها لا تُعبّر بالضرورة عن موقفه السلبي منها، وهو ذلك الرجل الذي لا يسعى لإدارتها، إلا لكونها مُنظمّة دولية ذات أهميّة كُبرى، تُضيف إلى سجلّه الحافل بالإنجازات مزيداً من الشرف الإداري الذي يرنو إليه. وأخيراً يُقال: “بأن الذين لا يتعلّمون من التاريخ، يُحكم عليهم بتكراره”.. وهذا ما حصل في انتخابات “اليونسكو” عام 2009، حين مُني المُرشّح العربي، وزير الثقافة المصري “فاروق حسني” بالهزيمة مرة ثانية، بعد أن دخل من الباب الخلفي المرشّح الجزائري “محمد بجاوي””، تماماً مثل ما حدث للعرب في انتخابات “اليونسكو” عالم 1999!