المثقف العربي بين وهم التأثير وحقيقة التهميش.
لم يعد سؤال “دور المثقف” سؤالًا بريئًا، ولا يمكن التعامل معه باعتباره أزمة خارجية سببها السلطة أو التحولات السياسية وحدها، فالمثقف العربي المعاصر يعيش مفارقة حادة: يكثر الحديث عن تهميشه، في الوقت الذي يواصل فيه إنتاج خطاب يتصرف كما لو أنه ما زال في مركز التأثير. بين هذين القطبين يتشكل وهم التأثير، وتتكرّس حقيقة التهميش. تاريخيًا، ارتبط المثقف بدور اجتماعي واضح: إنتاج المعنى، مساءلة السلطة، وصياغة الأسئلة الكبرى في لحظات التحول، لكن هذا الدور كان مشروطًا بسياق تاريخي محدد، حيث كانت المعرفة نادرة، ووسائط التعبير محدودة، والنخب الفكرية تمتلك سلطة رمزية حقيقية، اليوم تغيّر السياق جذريًا؛ المعرفة أصبحت فائضة، والمنصات مفتوحة، والسلطة الرمزية موزعة، بينما بقي خطاب المثقف أسير تصورات قديمة عن ذاته ووظيفته. المشكلة لا تكمن فقط في أن السلطة السياسية أو السوق الإعلامي همّشا المثقف، بل في أن المثقف نفسه فشل في إعادة تعريف موقعه، كثير من الخطاب الثقافي ما زال يُنتَج بلغة مغلقة، موجهة إلى دائرة ضيقة من المتلقين، تفترض مسبقًا توافقًا معرفيًا ومرجعيًا لا وجود له في الواقع، وبهذا يتحول المثقف من فاعل نقدي إلى متحدث داخل “غرفة صدى” لا يسمع فيها سوى صوته وصدى أقرانه. وهم التأثير يتغذّى من هذا الانغلاق، فالمثقف يكتب، وينشر، ويشارك في ندوات ومؤتمرات، فيظن أن الحركة تعني الفعل، وأن الحضور يعني التأثير، لكن التأثير الحقيقي يُقاس بقدرة الخطاب على اختراق المجال العام، وإعادة تشكيل الأسئلة، لا بعدد النصوص أو كثافة الظهور النخبوي، هنا تظهر الفجوة بين الإنتاج الثقافي والواقع الاجتماعي، وهي فجوة لا تُردم بالشكوى بل بالمراجعة. الأكثر إشكالية أن بعض المثقفين يتعاملون مع التهميش بوصفه شهادة أخلاقية، وكأن العزلة دليل نقاء، هذا المنطق يحوّل التهميش من مشكلة تستدعي الفهم إلى هوية يُدافع عنها، وفي هذه اللحظة، يفقد المثقف إحدى أهم وظائفه: القدرة على النقد الذاتي، فبدل أن يسأل عن قصور أدواته، أو عن تغير الجمهور، أو عن تحولات المجال العام، يكتفي بإدانة الخارج. هذا لا يعني إنكار العوامل البنيوية: هيمنة الإعلام التجاري، تسطيح النقاش العام، وتراجع دور المؤسسات الثقافية، لكنها عوامل لا تبرر استمرار المثقف في خطاب لا يسمعه إلا من يشبهه، المثقف الذي لا يطوّر لغته، ولا يعيد التفكير في وسائطه، ولا يغامر بالخروج من منطق النخبة، يساهم - بوعي أو بدونه - في تهميش نفسه. إن استعادة دور المثقف لا تمر عبر استعادة الماضي، بل عبر شجاعة الاعتراف بأن التأثير اليوم لا يُمنح، بل يُنتزع، ولا يتحقق بالخطابة، بل بالقدرة على بناء معنى مشترك في عالم شديد التشظي، دون ذلك، سيبقى المثقف عالقًا بين وهم تأثير يتغذى على الذاكرة، وحقيقة تهميش يفرضها الواقع.