داود الشريان.. (المِرآةُ القلقة) التي لا تُرضي الجميع..!
حين يُذكر اسم «داود الشريان»، لا يُستدعى شخصٌ بعينه فحسب، بل تُستدعى مرحلة كاملة من تحوّلات الصحافة السعودية، وأسئلة المهنة، ومخاضاتها الصعبة بين السلطة والمجتمع، وبين الخبر والرأي، وبين ما يُقال وما يُسكت عنه. داود الشريان لم يكن صحافياً عابراً في الممرات، ولا مذيعاً يكتفي بإدارة الحوار، بل كان، في جوهر تجربته، بوصلة حاولت أن تشير إلى الاتجاهات الحقيقية للناس، حتى حين كانت الرياح معاكسة. بدأ الشريان مسيرته الصحافية في زمن لم تكن فيه الصحافة مهنة سهلة أو آمنة، ولا طريقاً معبداً بالتصفيق. دخلها بعين يقظة، ولغة مباشرة، وحسّ نقديّ مبكّر، جعله يلفت الانتباه سريعاً إلى صوته المختلف. لم يكن من أولئك الذين يختبئون خلف العموميات، ولا ممّن يزيّنون الواقع بعبارات رخوة. كان واضحاً، وأحياناً جارحاً، لكنه، في الحالتين، صادق مع قناعته بأن الصحافة سؤال قبل أن تكون جواباً. تجربته في رئاسة تحرير صحيفة «المسلمون» شكّلت محطة مبكرة ومهمة في مساره. هناك، تعلّم باكراً معنى إدارة المحتوى، والاصطدام المباشر مع السقف، وحدود الممكن والممنوع. لم تكن الصحيفة مجرد منصب إداري بالنسبة له، بل مختبراً حقيقياً لصياغة موقف صحافي، وتجربة ستنعكس لاحقاً على كل ما كتبه وقاله. في تلك المرحلة، تبلورت ملامح شخصيته المهنية: الجرأة، والاشتباك مع القضايا، والبحث عن صوت الناس لا صوت المؤسسة فقط. تنقّل داود الشريان بعد ذلك بين مواقع صحافية متعددة، كتب في صحف مؤثرة، وترك بصمته في المقال اليومي الذي لم يكن مجرد رأي، بل نافذة لالتقاط ما يجري في الشارع، وما يُتداول همساً ولا يُكتب عادة. كان مقاله يُقرأ لأنه يلامس مناطق حساسة، ويُتابَع لأنه لا يهادن اللغة، ولا يقدّم نفسه واعظاً أو قاضياً، بل شاهداً مشاركاً في الأسئلة العامة. لكن التحوّل الأبرز في مسيرته جاء مع انتقاله إلى الشاشة التلفزيونية. هناك، وجد الشريان فضاء أوسع، وأشدّ تأثيراً ، وأقرب إلى الناس. برامجه الحوارية لم تكن تقليدية في شكلها ولا في مضمونها، لم تعتمد على التجميل، ولا على الضيوف «الآمنين»، بل على فتح ملفات مسكوت عنها: قضايا اجتماعية، إدارية، خدمية، وأحياناً سياسية بجرعات محسوبة. كان يدير الحوار بعفوية محسوبة، ويترك الضيف يتكلم حتى النهاية، ثم يضغط بالسؤال الذي لا مهرب منه. في التلفزيون، ظهر داود الشريان كما هو: بلا أقنعة. لم يتصنّع الحياد البارد، ولم يذهب إلى الاستفزاز المجاني. كان قريباً من الناس بلغته، ومباشراً في أسئلته، ما جعله محل جدل دائم. أحبّه كثيرون لأنه قال ما يشعرون به، وانتقده آخرون لأنه تجاوز، في نظرهم، خطوطاً اعتادوا الصمت عندها. لكن المؤكد أنه لم يكن هامشياً أبداً، بل كان دائمًا في قلب النقاش. قوة الشريان لم تكن في صوته فقط، بل في قدرته على التقاط التحوّلات الاجتماعية قبل أن تصبح عناوين رسمية. ناقش قضايا المرأة، والبيروقراطية، والفساد الإداري، والتعليم، والخدمات، بلهجة لا تدّعي البطولة، لكنها لا تقبل التواطؤ. لهذا، شكّل حضوره الإعلامي نوعاً من «المرآة القلقة» التي لا تُرضي الجميع، لكنها تُجبرهم على النظر. ورغم انتقاله بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون، ظلّ داود الشريان صحافياً في الجوهر. لم يغره بريق الشاشة ليصبح نجماً استعراضياً، ولم يتخلّ عن قناعاته المهنية الأساسية: أن الصحافة وظيفة عامة، وأن الإعلام ليس ترفيهاً خالصاً، بل مسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع. هذه القناعة هي التي جعلت مسيرته مليئة بالمنعطفات، وبالنجاحات، وبالتوقفات أيضاً. تاريخه «العظيم والعجيب» لا يعود فقط إلى المناصب التي شغلها، ولا إلى البرامج التي قدّمها، بل إلى أثره في الوعي العام. كثير من الأسئلة التي أصبحت اليوم عادية، كانت،قبل سنوات، محرّمة أو مؤجلة، وجرى طرحها أول مرة على لسانه أو عبر منبره. وهذه، في ميزان الصحافة، قيمة لا تُقاس بالأرقام، بل بالتأثير. داود الشريان ليس صحافياً بلا أخطاء، ولم يدّع ذلك يوماً. لكنه صحافي امتلك الشجاعة ليخطئ في العلن، ويصيب في العلن، ويظلّ جزءاً من النقاش لا خارجه. لذلك، حين يُكتب تاريخه، لا يُكتب بوصفه سيرة فرد، بل بوصفه فصلاً من فصول الصحافة السعودية الحديثة، فصل عن الجرأة، وعن الأسئلة، وعن بوصلة حاولت، قدر استطاعتها، أن تشير إلى الناس. * كاتب وصحافي سعودي