هل تغيّر شكل التأليف؟
لا يمكن أن يظلّ التأليف بمنأى عن المتغيّرات التي طالت عالم النشر، فمن يواكب هذه المرحلة التي دخل فيها الذكاء الاصطناعي طرفًا فاعلًا يلمس ذلك بوضوح. قبل أيام، دخلتُ مكتبة تجارية، ولاحظت ملامح جديدة بدأت تفرض حضورها في مشهد النشر، بدءًا من تصميم أغلفة الكتب، وصولًا إلى محتوى خفيف يقدّم مادة انطباعية سريعة. تفتح بعض المؤلفات الصادرة خلال السنتين الأخيرتين، فتجد “الباركود” يقودك إلى معلومات إضافية عن الكتاب أو مؤلفه، كما أن بعض الإصدارات مدعومة بصور من وسائل التواصل الاجتماعي. وفي حالات أخرى، يكاد المحتوى لا يُذكر؛ أوراق متلاحقة، وربما صادفت صفحة كاملة لا تحتوي سوى عبارة قصيرة. حتى طريقة عرض العناوين تغيّرت وتكاد المبالغة تكون الصفة الجامعة، وأصبح الاقتصاد في النص جزءًا من هوية هذه الإصدارات. أتحدّث عن مؤلفات لمؤلفين عرب؛ أما في الغرب، فقد اعتاد القارئ منذ وقت مبكر على هذا النمط. ولا أتحدث عند أسلوب الكتابة ذاته، الذي لا يبدو في بعض هذه الإصدارات ثمرة جهدٍ طويل أو اشتغالٍ معمّق، ومع ذلك لا يعدم القارئ الفائدة من تصفّحها. وهذه النوعية من المؤلفات تختلف عن كتبٍ خفيفة صدرت قبل سنوات؛ إذ عرفنا آنذاك كتب الجيب خفيفة الحجم، لكنها عميقة المحتوى. ويكفي التذكير بسلسلة عالم المعرفة الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت منذ أواخر السبعينيات، وسلاسل الروايات المصرية للجيب التي صدرت عام 1984 للدكتور نبيل فاروق، بوصفها نماذج جمعت بين صغر الشكل ورصانة المضمون. لا أستغرب هذه التحوّلات التي فرضها واقع مختلف وأدوات نشر حديثة، قادرة على الكتابة والتصحيح والتدقيق وإعادة الصياغة، وفق ما يُملى عليها من أوامر أو ما يُعرف بـ”البرومبت”. وأنا هنا لا أطلق حكمًا بقدر ما أصف ما رأيت، انطلاقًا من قناعة مفادها أن لا شيء يبقى على حاله. وسيكون لمثل هذه الكتب جمهورها بلا شك، لكنها لن تزاحم الكتب التي تصدر بالشكل المتعارف عليه، تلك التي تتجاوز الكتابة الانطباعية إلى محتوى رصين يستند إلى المصادر مع كل معلومة. غير أن التساؤل يبقى مطروحًا: هل يظلّ هذا النوع محصورًا في جمهوره، أم يتجاوز ذلك لاحقًا إلى مساحة أوسع؟