آخريّة الميّت.
قرأتُ مؤخراً تغريدةً في منصّة إكس لأحد أمهر كتّابنا في الرسم بالكلمات، وهو الأستاذ القدير محمد الرطيّان، يذكر فيها استمراره في الاحتفاظ بأرقام هواتف الأموات من أحبابه وأصدقائه في ذاكرة هاتفه، بل وأكثر من ذلك إرساله تهاني الأعياد إليها، وذكر كذلك أنّه يفكّر في الاتصال بهم أحياناً! وهو بالتأكيد يعتبر ذلك وفاءً وعدم نسيانٍ وإسقاطاً لوجودهم لمجرّد موتهم ورحيلهم عن هذا العالم. وهذا بلا شك عملٌ نبيل يشترك فيه مع الكثير. وبالرغم من إمكانية قراءة هذا العمل من عدّة زوايا؛ إلا أنّي اخترت أن أقرأه في هذه المقالة من زاويةٍ روحيةٍ عميقة لإرثٍ وثنيٍّ قديم عند الإنسان. فالإنسان يصعب عليه حمل ما يقدّسه ويحبّه داخل ذاته، لذلك يلجأ إلى تشخيصه في رمزٍ مادّي يمكن رؤيته وتأمّله ومناجاته؛ أي رمزٍ يوفّر للذاكرة مقدرةً كبيرة على محاربة النسيان، ويوفّر كذلك قدرةً على استثارة أخيلة حول هذا الميّت. أي أنّه يصعب عليه أن يدمجه في نفسه فيصبح جزءاً منها، فلا يجد إلا أن يُبقيه هناك خارجه كما كان أثناء حياته، ومعاملته بكامل آخريّته واستقلاله. لكن السؤال الآن: هل الميّت آخر، مثله في ذلك مثل الأحياء؟ وقبل أن أحاول أن أجيب على سؤال آخريّة الميّت هذا، يجب أن أذكّر بما أعنيه بآخريّة الآخر بشكل عام. أي أنّه يجب عليّ أن أجيب عن سؤال: من هو الآخر؛ حتى يستطيع القارئ أن يُمسك بالمعنى الذي أريد أن أقوله. الآخر هو - باختصار - ما ليس نحن، الآخر المختلف عنّا غير المحدّد بشكل كامل، ونحن نحمل وبنفس المعنى آخريّةً لنا داخل أنفسنا؛ آخريّة ذلك المكوّن فينا الذي نجهله، «اللاوعي» كمثال لأحدها وليس كلها. ما ليس نحن وإن كان أقرب الأقربين، وأصدق الأصدقاء، بل حتى ذلك الجزء المجهول من ذواتنا يبقى آخر؛ بمعنى أنّه يبقى هناك متشخّصاً، لكن؛ خارج سلطتنا المعرفية، أي خارج إرادتنا للقبض على ماهيّته، وخارج قدرتنا على التحكّم الكامل بعالمه وفعاليته كذلك، ذلك العالم الذي يعجّ - كما لدينا - بالتناقضات. بهذا التعريف بآخريّة الآخر يمكن أن نعود للسؤال عن آخريّة الميّت من جديد: هل الميّت آخر؟ أي هل ذلك الذي رحل عن عالمنا، رحل وهو لا يزال يحمل معه آخريّته التي تقع خارج سلطتنا المعرفية؟ ما الذي يبقى من الميّت كآخر كان يشاركنا الوجود في هذا العالم؟ لئن كان أعذب الشعر أكذبه كما يذهب لذلك البعض - وإن اختلفتُ معهم - فإن أصدق الشعر هو شعر رثاء وتأبين الميّت، ذلك لأنّه يصدر عن شعورٍ صادق بالفجيعة، وصادر كذلك عن معرفةٍ للتوِ اكتملت بالميّت. نحن لا نعرف الآخر بشكلٍ مكتمل إلا بعد موته، بل نحن جميعاً - ككائنات إنسانية - لا نكتمل إلا بموتنا؛ ذلك لأنّنا ونحن أحياء نبقى مجرّد مشاريع مفتوحة على العديد من الإمكانيات، قبل أن يحلّ بنا الموت ويثبّتنا نهائياً على ما كنّا عليه بالفعل. بهذا المعنى يصبح الميّت جزءاً منّا، جزءاً من معرفتنا به؛ الميّت كآخرٍ رحل، ورحلت معه جميع إمكانياته الوجودية، ولم يبقَ لنا منه إلا ما كان عليه بالفعل. كما أنّ كل إضافةٍ لهذه الكينونة الفعلية للميّت بعد موته هي كذلك جزءٌ منّا نحن، لا مكوّناً حقيقياً له هو. الميّت بهذا المعنى أصبح داخلنا، لا خارجنا هناك كما كان حيّاً؛ أي أنّه لم يعد آخراً إلا بمعنى ما لم ينكشف لنا منه أثناء حياته، وهذا الذي لم ينكشف منه أخذه معه إلى حيث ذهب؛ هناك حيث آخريّته المطلقة. من هنا يمكن التمييز بين حالتين وجوديّتين للميّت: حالةٍ يغادر فيها آخريّته ليصبح جزءاً منّا، أي جزءاً من ذاكرتنا ومشاعرنا، وحالةٍ يحتفظ فيها بآخريّته كاملةً مطلقة. وبالتالي فإنّ كل إضافةٍ لهذه الآخريّة هي عائدةٌ لنا نحن لا إليه هو؛ هي إضافةٌ ربّما دافعها ما نطمح إلى أن يُضاف لنا إذا متنا إن كانت حسنة، لكنها تبقى في كل حالاتها إضافة، أي أنّها اعتداءٌ على هذه الآخريّة من كل الوجوه. فإن كانت حسنة فهي محاولة ترميز قد تمتدّ حدّ التقديس والتوثين، وإن كانت سيئة فهي امتهانٌ لمن لم يعد له القدرة على الدفاع عن نفسه. ما أريد قوله إنّ آخريّة الميّت تحوّلت برحيله إلى آخريّةٍ مطلقة، يُشكّل كل اقترابٍ منها اعتداءً عليه. ومن هنا يمكن فهم نهي الدين الإسلامي عن بناء القباب والتمييز بين القبور، ويمكن فهم كذلك النهي عن المشي فوق القبر أو الوقوف عليه. آخريّة الميّت أصبحت منطقةً شائكة، أو هي آخريّة محرّم الاقتراب منها، وهي آخريّة مجسّدة في قبرٍ لا يتخلّف عن غيره من القبور. أمّا ما يخصّنا نحن من الميّت فهو ذلك الجزء الذي لم يعد من آخريّته، بل جزءٌ من تكويننا الداخلي، ومن مشاعرنا؛ لا جزء من ذاكرة هواتفنا التي يمكن يذهب الرقم المحفوظ فيها إلى مالك جديد. هذه محاولةٌ تأمّلية في اللوحة المؤثّرة التي رسمها مبدعنا الرطيّان، وهي محاولة تحتمل الفهم والتأويل، وتحتمل التخطئة والردّ كذلك.