عن الهوية البصرية السعودية ..

قبل بيع أول كوب قهوة!

قبل خمسة عشر عامًا كان أقصى ما يطمح إليه صاحب مشروع تجاري ناشئ أن يختار خطًا عربيًا أنيقًا لواجهة محله، أو يضيف كلمة إنجليزية مائلة ونجمة لامعة فوق اسمه. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد تمامًا؛ فحتى بائع القهوة المتنقل في أحد أحياء الرياض يمتلك شعارًا احترافيًا وهوية بصرية كاملة على منصات التواصل قبل أن يبيع أول كوب قهوة. هذا التحول لم يحدث صدفة، بل نتيجة مباشرة للثورة الرقمية التي تقودها منصات التواصل، ففي عالم يُقاس فيه الانتباه بالثواني، أصبحت الهوية البصرية عنصرًا حاسمًا في بناء الثقة وتحقيق الانتشار، بل واستثمارًا يعود على صاحبه بأضعاف قيمته. وساهمت رؤية السعودية 2030 في تعزيز هذا التحول ودعم بيئة الريادة والاستثمار، إذ أولت الدولة اهتمامًا كبيرًا ببرامج دعم وتمويل المنشآت الواعدة. ومع إمكانية إصدار السجل التجاري خلال دقائق، ازدادت رغبة الشباب في خوض تجاربهم الريادية وتأسيس مشاريعهم الناشئة بعناية، تبدأ من إنشاء شعار احترافي يعكس هوية المشروع ويعزز حضوره في السوق غير أن العامل الأبرز — والأكثر جمالًا —، يتمثل في الذائقة البصرية المتجذّرة لدى المجتمع السعودي التي تتجلى في تفاصيل الحياة اليومية فالزي الوطني -الثوب الأبيض، الشماغ، والعقال- لا يُعد مجرد ملبسًا تقليديًا، بل منظومة بصرية متناغمة تعكس الانضباط والبساطة والاتساق وتشكل تعبيرًا بصريًا ثابتًا عن الهوية البصرية السعودية. هذا الإرث الجمالي المتواصل عبر الأجيال، لم يكن بعيدًا عن ممارسات الشباب اليوم؛ فقد أعادت الأدوات الرقمية إحياءه وتعزيزه، ليظهر في شكل حرص واضح على الابتكار ورفض الجاهز والمكرر. هذا الوعي البصري لا يقتصر على المشاريع الفردية، بل يتقاطع مع الجهود الوطنية الكبرى في ترسيخ هوية عمرانية موحدة ومميزة. وفي هذا السياق، جاءت مبادرة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بإطلاق «خريطة العمارة السعودية» التي تتضمن 19 طرازًا معماريًا مستوحى من التنوع الجغرافي والثقافي للمملكة، بهدف رفع جودة المشهد الحضري وضمان اتساق الهوية البصرية من رمال الربع الخالي إلى جبال عسير. لم تعد الهوية البصرية رفاهية، بل تحولت إلى ضرورة تنافسية في سوق سريع الإيقاع، وإلى تعبير عن روح وطنية متجددة ترفض النمطية وتبحث عن التميز. ففي كل مرة عندما يضع أحدهم اللمسات الأخيرة على شعار جديد لمشروعه، تولد قصة جديدة من قصص التحوّل الإبداعي الذي تعيشه المملكة، ويكتب فصلًا إضافيًا من فصول نهضتها البصرية والثقافية.