شهدت مدينة جدة افتتاح صرح ثقافي جديد ووجهة عالمية تُجسّد رؤية المملكة في صون الإرث الثقافي والطبيعي للبحر الأحمر، وتعزز حضوره العالمي عبر معارض وبرامج تُعرِّف بقيمه الإنسانية وتاريخه الممتد، وذلك بافتتاح هيئة المتاحف لمتحف البحر الأحمر في قلب جدة التاريخية مطلع شهر ديسمبر الجاري. الافتتاح كان بحضور صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن مشعل بن عبدالعزيز نائب أمير منطقة مكة المكرمة، وصاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان وزير الثقافة رئيس مجلس إدارة هيئة المتاحف، حيث تم اختيار موقع متحف البحر الأحمر في مبنى باب البنط التاريخي، بصفته جزءًا من إعادة إحياء جدة التاريخية المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو؛ ليكون متحفًا عالميًا يُعنى بتوثيق الإرث المادي وغير المادي والطبيعي للبحر الأحمر، بمشاركة عددٍ من أصحاب السمو والمعالي والمسؤولين، والمهتمين بالشأن الثقافي والفني والإعلامي. وانطلقت الفعاليات بجولات إرشادية للضيوف في القاعات الدائمة للمتحف، إلى جانب افتتاح المعرض المؤقت الأول بعنوان «بوابة البوابات» للفنان السعودي معاذ العوفي، بإشراف القيّم الفني فيليب كاردينال، الذي يوثّق التحوّلات المعمارية والرمزية لباب البنط ودوره التاريخي بوصفه بوابة بين الماضي والحاضر، حيث أتاح هذا المعرض للزوّار تأمل تاريخ المبنى وتجلياته الثقافية المتجددة في فضاءٍ بصري معاصر، فيما توجت الفعاليات بعرض خاص للفرقة «سيلك رود» التي عزفت مقطوعات مستوحاة من التنوع الموسيقي لمنطقة البحر الأحمر. وأكّد سمو وزير الثقافة، في كلمته، أن متحف البحر الأحمر يفتح مساحة شاسعة للإبداع ويقدم منصة ثقافية شاملة تعزز الحوار بين الحضارات، والتبادل الثقافي والمعرفي، ويعكس التزام المملكة ورؤيتها في صيانة إرثها الثقافي والطبيعي، ليشكل جزءًا من رحلة طموحة لإعادة إحياء جدة التاريخية، بدعم غير محدود من القيادة الرشيدة، لبناء مستقبل ثقافي غني تزدهر فيه مختلف أنواع الثقافة والفنون. وجاء افتتاح المتحف ضمن مبادرات برنامج جودة الحياة لتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، بما يجسد التزام المملكة بالحفاظ علي تراثها الثقافي بمنهج مستدام يثري المعرفة، ويعزز التنمية في جدة التاريخية. موقع تاريخي مميز يقع المتحف داخل مبنى باب البنط التاريخي عند التقاء البر بالبحر، الذي أعيد ترميمه وفق أعلى معايير الاستدامة البيئية في ترميم المباني التراثية، ضمن مبادرات برنامج جودة الحياة لتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، للنهوض بالبنى التحتية للقطاعات الثقافية، وتعزيز حضورها الحضري المستدام، والمحافظة على الروح المعمارية لمبنى باب البنط، واستعادة دوره بوصفه بوابة إلى العالم عبر قرن مضى، ليعود اليوم معلمًا ثقافيًا يربط الماضي بالحاضر، وإبراز جدة التاريخية جسرًا بين الثقافات على سواحل البحر الأحمر. ويستعرض المتحف في محاوره تاريخ مبنى باب البنط وتحولاته، وأصول البحر الأحمر ودلالاته الثقافية، وأدوات الملاحة والخرائط التي استخدمها البحّارة والمسافرون، مرورًا بتنوعه البيئي وثراء مجتمعاته الساحلية، وصولًا إلى التجارة البحرية ورحلات الحج، والأعمال الفنية التي عكست حضارات المنطقة وجعلت من البحر الأحمر مصدرًا للإبداع والتبادل الثقافي. معروضات وقطع نادرة يقدم المتحف تجربة ثقافية شاملة بمعايير عالمية، تجمع بين التقنيات المعاصرة والممارسات البحثية وحفظ المقتنيات، ويُعزّزها التعاون مع مؤسسات محلية وعالمية، كما يُتيح المتحف لزوّاره مسارات تفاعلية تعمّق الفهم للبحر الأحمر بوصفه فضاءً للتبادل المعرفي والفني والاجتماعي، مع محتوى تعليمي للفئات العمرية المختلفة. وتضم المعارض الدائمة في متحف البحر الأحمر أكثر من 1000 قطعة أثرية وفنية، موزعة على سبعة محاور رئيسة داخل 23 قاعة عرض، تُجسد مسيرة التفاعل الحضاري والإنساني على ضفاف البحر الأحمر منذ العصور القديمة حتى اليوم، وتُقدَّم بأسلوب معاصر يدمج السرد التاريخي بالتجربة التفاعلية، ويربط بين الإنسان والبحر عبر الزمن، كاشفةً عمق العلاقة التي جمعت المجتمعات على ضفاف البحر الأحمر وأسهمت في تطوّر حضاراتها وثقافاتها المتنوعة. ويحتضن المتحف مجموعة واسعة من القطع الأثرية والمقتنيات التاريخية النادرة، تشمل الخزف الصيني، ومباخر العود، والمرجان، والحُلي، وأدوات الملاحة والخرائط والمخطوطات والصور النادرة، إلى جانب أعمال فنية حديثة ومعاصرة لفنانين سعوديين ودوليين، في حوار بصري يعيد وصل الماضي بالحاضر ضمن سردية البحر الأحمر. وأوضح الرئيس التنفيذي المكلف لهيئة المتاحف، إبراهيم السنوسي، أن متحف البحر الأحمر يُجسد التزام وزارة الثقافة بتطوير متاحف ذات مكانة عالمية في المملكة، عبر نهج يستند إلى المعارض المتخصصة والبحث العلمي والبرامج الثقافية المتنوعة، ليكون منارة للمعرفة والإبداع والتبادل الثقافي، وتعكس الدور المتنامي للمؤسسات الثقافية السعودية في المشهد العالمي. ويجسد افتتاح متحف البحر الأحمر رسالة جدة التاريخية لوزارة الثقافة في إحياء التراث الوطني بأسلوب مستدام، وتنمية الاقتصاد الثقافي، حيث أُسس البرنامج في 2018م؛ بهدف إدارة وتنمية جدة التاريخية، والحفاظ على تراثها المادي وغير المادي. ويعد متحف البحر الأحمر أحد المشروعات الرئيسة ضمن هذا الإحياء الحضري، ورمزًا لإمكانيات التكامل في حفظ التراث، والابتكار الثقافي المعاصر. وزير الثقافة يلتقي المديرة السابقة لليونسكو التقى صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان، وزير الثقافة، بمعالي المديرة العامة السابقة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» أودري أزولاي، وذلك على هامش افتتاح متحف البحر الأحمر بمدينة جدة. واستهل سمو وزير الثقافة اللقاء بالترحيب بمعالي المديرة العامة السابقة لمنظمة اليونسكو في المملكة، متمنيًا لمعاليها طِيبَ الإقامة، ومقدمًا شكره لمعاليها على جهودها المتواصلة خلال السنوات الماضية في دعم مسيرة المنظمة، ومشيدًا بإدارتها المتميزة التي أسهمت في تعميق الشراكات وتعزيز التعاون مع الدول الأعضاء خلال فترة رئاستها للمنظمة. وأعرب سموه عن اعتزازه باختيار المملكة لاستضافة النسخة القادمة من مؤتمر اليونسكو للثقافة في عام 2029، والتي ستسهم في مواصلة الجهود الدولية لدعم استقلالية الثقافة كهدفٍ قائم بحد ذاته في أجندة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لما بعد 2030. وتطرق اللقاء إلى التعاون بين المملكة واليونسكو خلال فترة عمل معالي أزولاي بصفتها مديرةً عامة لليونسكو، ومن أبرز أوجه ذلك التعاون إطلاق المتحف الافتراضي للقطع المسروقة، والذي يعد ثمرة تعاون بين المملكة ومنظمة اليونسكو. لقاء افتراضي نظّمت هيئة المتاحف لقاءً افتراضيًا مفتوحًا بعنوان «متحف البحر الأحمر: نافذة على التراث الثقافي لمنطقة البحر الأحمر» وذلك في 25 نوفمبر الماضي، بمشاركة مجموعة من المهتمين بالتراث والثقافة، وذلك ضمن سلسلة اللقاءات الشهرية التي تقدّمها الهيئة لتعزيز الوعي بالمشاريع المتحفية الوطنية. وشارك في الجلسة مساعد وزير السياحة والآثار بجمهورية مصر سابقًا، ومديرة متحف البحر الأحمر إيمان زيدان، ومدير عام التراث المغمور بهيئة التراث الدكتور ماجد العنزي، وأدار الحوار مدير العلاقات العامة والمحتوى بهيئة المتاحف عطية الراجحي. واستعرض اللقاء أبرز ملامح التراث والهوية الثقافية لمتحف البحر الأحمر وباب البنط، والتطورات التي يشهدها متحف البحر الأحمر الذي يُعد مشروعًا ثقافيًا نوعيًا وسياحيًا يسعى إلى توثيق التاريخ للمنطقة، وباب البنط الذي يعد ذا أهمية تاريخية في منطقة جدة التاريخية. وتناول اللقاء شرحًا حول المراحل التصميمية لمتحف البحر الأحمر، الذي يعتبر قبلة جديدة للثقافة والسياحة في المنطقة، ويحكي لزوّاره بداية تاريخ المبنى وتوثيق التراث المادي وغير المادي، وأهم المقتنيات والقصص والمعارض المؤقتة التي سيضمّها، إضافة إلى دوره المستقبلي في الثقافة والتراث المادي وغير المادي، إذ يقدّم المتحف برنامجًا عامًا يشمل: ورش العمل والدورات التدريبية، والحوارات المفتوحة والندوات، تتنوع بين تدريب الحرفيين ضمن مبادرة «صُنع في البحر الأحمر»، ومشاريع فنية مستدامة مثل «فن البحر الأحمر»، وعروض موسيقية تحتفي بتراث المنطقة ومنها «سيمفونية البحر الأحمر» التي تستكشف آفاق تجمع الأصالة والعادات المجتمعية. وسلط اللقاء الضوء، على التعاونات التي تمت بين متحف البحر الأحمر والقطاعات والمؤسسات الثقافية الأخرى، مثل هيئة التراث لتنظيم المؤتمر الدولي للبحر الأحمر الذي سيقام في متحف البحر الأحمر في أبريل 2026م، وهيئة الموسيقى ومتحف طارق عبدالحكيم لإنتاج سيمفونية تعبر عن مدن ساحل البحر الأحمر. وأوضحت زيدان أن المتحف لا يقتصر على التعاون مع الجهات الثقافية فقط، بل مع المؤسسات الثقافية، وهذا ما يدل على مجهودات المؤسسات الثقافية في تجسيد الثقافة والفن في المنطقة. ويُعدّ المتحف صرحًا يحتضن مجموعة فريدة ذات أهمية استثنائية، تمتد من الاكتشافات الأثرية إلى روائع الفنون، مقدّمًا رؤى جديدة حول كنوز البحر الأحمر المادية وغير المادية والطبيعية، ومن خلال برامجه وأنشطته التي تسعى إلى تعزيز الوعي بالتنوّع البيئي والثقافي لمنطقة البحر الأحمر، وتوفّر بيئة تُلهم الإبداع، وتُسهم في بناء جسور التواصل بين المجتمعات محليًا وعالميًا.