وصف الروائي الليبي الكبير إبراهيم الكوني التجربة السعودية المعاصرة بأنها «معجزة إصلاح» قدّمت درسًا في التطوير لا التثوير، معتبرًا أنها نموذج للتغيير المتدرّج القائم على الفعل لا الشعارات، وذلك في قراءة نقدية للتحولات العربية وما آلت إليه تجارب أخرى. وقال الكوني، الملقّب بـ «فيلسوف الصحراء»، في حوار مطوّل أجراه الزميل علي مكي، إن «السعودية تلقّن الجيل درسًا في التطوير لا التثوير، حين استثمرت معجزة الإصلاح، التي أعجزت هواة الشعارات الطائشة عن تحقيق الأوهام، فحصدنا بفضلها الآلام بدل الأحلام». هنا مقاطع مختارة من هذا الحوار الذي صدر في كتاب حمل عنوان “في صحراء إبراهيم الكوني” عن دار جداول للنشر والترجمة والتوزيع، وبدأ توزيعه اعتبارًا من اليوم انطلاقًا من معرض القاهرة الدولي للكتاب، وتنشره “اليمامة” بإذن خاص من الكاتب والناشر. نزيف الذاكرة • متى يكتب إبراهيم الكوني سيرة حياته بوصفها «رواية كبرى» تجمع بين الرحلة والتأمل والفلسفة؟ - تسائلني عن الأوان الذي حان لكي أكتب «روايتي الكبرى»، المترجمة في حرف السيرة؟ أهمية هذا السؤال تترجم موقف واقعنا من فعلٍ مرجعي تنويري ديني هو القراءة، لأن «الرواية الكبرى»، كما تسمّيها، تسكن أرفف المكتبات في عالمنا العربي منذ أربعة عشر عامًا مبثوثةً في وَسْمٍ دالّ هو «عَدُوسُ السُّـرَى»، مشفوعةً بعنوانٍ فرعي دالّ أيضًا يقول: «سيرة أمم في نزيف ذاكرة»، تعبيرًا عن شهادة إنسان تنكّبَ صليب اغترابه مبكّرًا، فقط مسافة خرافية، مجسّدة في قارة خلاء هي الصحراء الكبرى، في هجرة ملحميّة، ليعبر عالمًا مجبولًا بالظلمات في سفرٍ ليليّ، عبّر عنه «السُّرَى»، لأن وجود كل إنسان في عالمنا هو رحيلٌ في ليلٍ هو هنا مجاز، ما دام لن يضمن في مسيره لدغة زاحفة، أو هجمة وحش، أو طعنة غدرٍ من عدوٍّ خفيّ، يتلبّس غيهب الواقع، فلا يدرك أمانًا إلّا بإعجاز، في ترسيمة وجدانية التهمتْ أربعة مجلّدات، بما يربو على الألفي صفحة، كان فيها استخدام ضمير المتكلّم هو التحدّي الأقوى حجّةً، لأن الـ«أنا» فيه دومًا تُرجمان أنانية، والأنانية دومًا في قفص الاتهام، ولا منقذ من هذه الورطة هنا سوى الروح الوجدانية، التي تعزف على أوتارٍ رؤيوية، تلغي الحدود في خطاب المروية، وتهوّن من خشونة الضمير المتكلّم. • هل ترى أنك أسست صوتًا روائيًا مختلفًا أنجب أجيالًا تسير على خطاك؟ - صوتي الروائي لم يكن صوتي، ولكنه صوت الداهية التي علّمت الأجيال الحكمة، وهي الصحراء، وكل ما حاولت أن أفعله هو أن أتولّى ترجمة رسالتها، بأن أتيح لها الفرصة لكي تروي سيرتها بلسانها، لا بلساني، لكي تحسن الإدلاء بشهادتها هي، لا بشهادتنا بالإنابة عنها، لأننا لن نفلح في استطلاع معجزتها حقًّا، ما لم ندفعها للترافع عن نفسها، لتجود علينا بعظيم حُجَجها، المترجمة في حرف فلسفتها، في ذخيرة ميثولوجيّتها، في ثرواتها المنسيّة، التي لقّنت العالم تجربتها الروحيّة، سُلطة الهجرة لم تكن أوّلها، وكما النبوّة لم تكن آخرها. الأسطورة كشفيع • ما الرواية التي تطمح لكتابتها وترى أنها دَين عليك لتجربتك الحياتية والكتابية؟ - حكيم الجامعة يقول في سفره التراجيدي: «لكتابة كتبٍ كثيرة لا نهاية، والعمل الكثير تعبٌ للجسد». فروح التراجيديا في عدم وجود حدٍّ لكتابة الكتب في ظلّ حضورنا في بعبعٍ يفترس وجودنا وهو الزمن. وليس لنا إلّا أن ننازل طواحين الباطل طويلًا، قبل أن نكتشف أن لا أمان لنا في ظلِّ الزمن إلّا بالاحتماء بحصون الأسطورة، لأن هذه الجنيّة وحدها استطاعت أن تُروِّض الزمن بدليلٍ حاسمٍ، هو عدم وجود متن أدبي خالد، في كل تجربتنا البشرية، ما لم يتسلّح بدرع الأسطرة، ممّا سيعني أن كل مبدع سيحاول اختزال تجربته في أمثولة، تستطيع أن تلعب دور السفير إلى الأبديّة، وهو ما لن يتحقّق دون تدخّل تعويذة، مشفوعة بروح الخلود: الأسطورة! وهكذا فإن الحلم هو كيفية ضغط كل الروايات، في رواية قادرة على استيعاب الحمولة الرسالية بالجملة، لتحويلها جنينًا جنونيًا عاتيًا، يستطيع أن يستودعها ذاكرة ذلك العدم، الذي لا يعترف بغير الأسطورة شفيعًا! اللغة الروائية • لغتك الروائية مشبعة بالصور القرآنية والبلاغة الشعرية. هل تراها لغة قابلة للترجمة فعلًا، أم أنها جزء من «سحر ضائع» لا يكتمل إلا بالعربية؟ - لماذا لا نحرث في واقعنا الأدبي مصطلحًا ننصف به الصحراء، فنقول إن اللغة في تجربتي صحراوية، وما العربية هنا سوى الشريك الشرعي للغتي الأمّ، وهي الأمازيغيّة، التي لا تقلّ ثراءً، أو شعريّةً، أو وجدانيّةً، عن العربية، ما دام فردوس اسمه الصحراء هو الوصيّ العبقريّ على كليهما، لأن الصحراء كواقع بيئيّ مميّز، هو الملهم لكليهما، بما الصحراء شعرٌ مجسّد، بهويّتها كروح، لتستوي في معزوفة ملحميّة، هي أهلٌ لهندسة الأعمال الخالدة، ولغة القرآن برهانٌ آخر على هذا الإعجاز؟ فما نسمّيه هنا «سحرًا» ليس ضربًا من تقنية، مستعارة من معاجم هواة الأسلبة، ولكنّه غنيمة ذات أبعاد روحيّة للتعبير عن واقع استثنائي مغترب بالطبيعة عن ناموس الرواية التي لم تكن يومًا عملًا صحراويًا في المفهوم الحضري، وعلّ وصايا الفكر الأوروبي أوّل من نبّه إلى تصنيف الرواية كعملة حضرية بامتياز، لأن رأسمال الرواية هو العلاقة، المنتجة بحرف الواقع المديني، وهو التحدّي الذي واجهتُه أثناء الدراسة في معهد غوركي للآداب، ولم أكن لأفلح في الإطاحة بهذه النظرية لو لم أُعارك طويلًا، لكي أكتشف، بعد استقصاء عصيّ، أن رأسمال الرواية ليس الواقع الحضري، أو أي واقع حرفيّ، ولكن رأسمال الرواية هو لغز ألغاز اسمه الإنسان. فحيثما حلّ هذا اللغز فهو يحمل في أعطافه روايةً، بل يحمل ما هو أعظم من رواية، وهو الملحمة، لأننا نظلم الرواية عندما نحصرها في حرف واقع اجتماعي مّا، لأننا ننسى أن الروح هي مسرح الرواية، والدليل ملحمة «البحث عن الزمن الضائع» لمارسيل بروست، بأجزائها السبعة، كتجربة نفسية، وجدانية، روحية، المجتمع فيها مجرد شبح يمارس دور شاهد عيان، أمّا الدراما فتسكن بطل المهزلة عميقًا. شعرية الرواية • هناك من يرى أنك تكتب «رواية - قصيدة»... هل هو خيار جمالي واعٍ أم أن الشعر يفرض نفسه عليك رغم أنك اخترت الرواية؟ - النفَس الشعريّ رئة الرواية، لأن الشعر تعويذة في أية تجربة وجدانية. والرواية عمل وجداني بالضرورة، وبدون الاحتكام إلى سادن الواقع الإنساني، كما الشعر، ما دمنا بالرواية روايةً، وكلنا نلفّق طينة أسطورة، لأن غاية الإبداع في الأساس هي تأليف الأمثولة، التي لا تملك إلّا أن تتأهّل في الأسطورة، كما حرّض أرسطو، وكما حثّ سقراط على لسان ترجمانه أفلاطون، لأن المنطق يقول إن كل ما هو تاريخي هو ترجمان ناسوت، وكل ما هو أسطوري هو ترجمان لاهوت. والمبدأ الديني هو الغاية القصوى لأية تجربة روائية، ليس الروائية وحسب، ولكنه قدر كل إبداع في المطلق، فإذا طالعنا نموذج مستهجن لهذا الحكم فنستطيع أن نهوِّن عليه وزر الفجاءة بأن نستبدل كلمة «دينيّ»، بكلمة «غيبيّ»، لأن استطلاع أدغال الغيوب مهنة الميثولوجيا. فالمنطق هو الذي يملي علينا أن نحيا الوجود ذاته بروح الشعر، لكي نكون أهلًا لأن نحيا الجمال في الطبيعة، لا في بعده المخيف، المعادي للتعريف، كما يرى ديستويفسكي، ولكن كملاذ يهوِّن علينا قسوة الاغتراب عن الحقيقة، في واقعٍ يُهيمن عليه شبح باطل الأباطيل! التجربة السعودية • ما موقفك من «السلطة» و«الثورة» في الفكر والكتابة؟ وهل ترى الإصلاح طريقًا بديلًا عن التغيير العنيف؟ - الموقف السياسي تسفيهٌ للموقف من الوجود، وابتذالٌ للموقف من السلطة كأفيون وجود، وهو ما لا يحدث إلّا لاحتفائنا بالحرف المباشر، واضطهادنا لروح الواقع، الذي لا يرى في السياسة سوى مجرد هامش، في أبجدية السلطة، بوصف الأخيرة الهاجس الأبدي في تجربة أي مخلوق. والسبب لا يتعلّق بالخشية من الرقابة، ولكن طلبًا للعمق وتحقيرًا لنزعة التسطيح الشائعة في واقعنا الثقافي العربي، المهووس بالأدلجة، والمعادي للأسطرة، لأن تلبية نداء التقرير دومًا أيسر كثيرًا من قبول التحدّي الأخطر، وهو بعث الروح في النصّ المستهتر، المدوَّن بروح البيان السياسي الساذج، بإنقاذه من خلال الوعي العميق بحقيقة السلطة كحاجة وجودية، تتعدّد في واقعها أجناس الممارسة، فيلعب فيها كل بهلوان دوره على طريقته، التعبير عن هذا الهوس فيها يستعير أبعادًا عصيّة لسبب وجيه وهو طبيعتها الغيبيّة؛ وهنا يكمن الفصل الثاني في حملة التحدّي، لأننا لم نتألّم بما يكفي كي نحقّق في أنفسنا حكمة أن نعرف أنفسنا، بحيث نقرّر عمّا إذا كنّا حقًّا في حاجة لامتلاك سُلطة، لا تتحقّق حقًا دون ارتضاء التجديف في حقّ المعبود، الذي يرفض أن يتقاسم هذه السلطة مع المخلوق الفاني، لأنها وَقفٌ عليه من حيث المبدأ، وكل من سوَّلت له النفس الأمَّارة بالسوء أن يُنصِّب نفسه شريكًا في امتلاكها إنّما يغامر بتسفيه الحقيقة، لأن مريد السلطة، بالسلطة، يريد احتكار الحقيقة، والحقيقة حكرٌ على الحقّ، الذي لا يقبل لنفسه شريكًا في حكمٍ لا يترجم حُكمًا، بمعنى سلطةً، ولكنه يترجم حكمةً، لتبدأ، في هذا البرزخ، الدراما التي تُعبِّر عن فحوى الوصيّة الخالدة: «ما نفع أن يكسب الإنسان العالم، ويخسر نفسه؟»، التي ألهمتني ملحمة «المجوس»، منذ أربعة عقود، مما يعني أن السلطة التي يجب أن نطلبها ليست السلطة على العالم، ولكن السلطة على النفس. نستطيع أن نغفر للسلطة خطايا كثيرة لولا احترافها للعنف سبيلًا للاستيلاء على هذه الجنيّة. ذلك أن ما لا يُغتفر في ناموس الحقيقة هو نزيف الدمّ. ولو حاولنا أن نستجير باللغة لاستجلاء فحوى هذه الأحجية لاكتشفنا أن ما تعنيه في اسمها اللاتيني أبشع حتّى من معناها في العربية. فإذا كانت كلمة «ثورة» في العربية تعني «فورة»، أي نزوة عاطفية، كإبدال شائع بين الفاء والثاء المثلثة، فإن كلمة (Revolucio) اللاتينية، المستخدمة في اللغات الأوروبية كلها، إنّما تعني في حرف المفهوم «ردّة». ردّة عن ماذا؟ ردّة عن كلمة نبيلة ومسالمة وعادلة هي (Evolucio)، الدالّة على «التطوّر». مما سيعني أن الثورة هي احتراف سفك الدماء، في سبيل الفوز بغنيمة نفيسة هي السلطة، باستخدام ردّة عن التطوّر، في حين تحاول الأيديولوجيات خداعنا، عندما تسوّق هنا حجّة كاذبة هي «تحقيق التقدّم»، الذي لن يعني في المعجم سوى «التطوّر»، لتبرير نزيف الدمّ، ولكن اللغة تأبَى إلّا أن تفضح هذه المكيدة حتّى في المعنى الحرفي، فكيف في المدلول المفهوميّ، ليغدو هذا الاستنتاج وصمة عار في جبين أي ممارسة للعنف في سبيل تغيير الواقع السياسي السائد. هذا يعني أن الثورة تبدو كلمة حقّ، ولكن النتيجة تبرهن أنها كلمة الحقّ، التي أُريدَ بها باطل: هي كلمة حقّ، لأنها تندلع لتحقيق فردوس ضائع هو العدالة، ولكنها تنتهي إلى باطل، لأن الثورة لم يحدث يومًا أن قامت بالإيفاء بما وعدت به، فحققت العدالة، أو جادت على الواقع بالحرية. وكيف تفلح حركة غوغائية تسفّه منطق الوجود، المترجم في مفهوم لغة تجاهر بالحرف الصريح أن الثورة (Revolucio) (الردّة)، هي خلاص الأمم، متناسيةً أن ما تسمّيه (Revolucio) (ثورة)، ما هو في الواقع سوى ارتداد عن المفهوم الحكيم، الذي بثّه الدهاة في كلمة (Evolucio)، الدالة على التطوّر، الذي لا يتحقق دون حملة تنوير، ليس لها ما تستعين به في معاندة الحلم سوى السِّلم، لأنه الضمان الوحيد لتحقيق ذلك الاستقرار، الذي يُهيّئ لهيمنة مناخ إصلاح، كطوق وحيد للخلاص؟! نستطيع أن نقول إن تعويذة في منزلة الإصلاح هي الحلقة المفقودة في تجربتنا التحريرية، التي تتعاطى التطوير (Evolucio) وليس التثوير، لأن الإصلاح هو الاصطلاح المستعار من معجم ذلك الملاذ، الذي نحتكم إليه كلّما أعْـيَـتنا الحيلة في إيقاف نزيف الدم، الذي تحترفه الثورات، وتنتدبه في أدبياتها سبيلًا للتغيير، كما تبرهن التجربة التثويرية الدموية، التي اعتمدتها الأيديولوجيات الجنونية في واقعنا، بوصفها قارب نجاة، فاقترفت آثامًا لا تُغتفر في حقّ الأمّة، دون أن تُفلح في تحقيق حلم الخلاص الموعود، حتّى إذا وقعت الواقعة، هرع القائمون على أمر مثل هذه الحركات إلى ما اعتادوا أن يطلقوا عليه اسم «المصالحات الوطنيّة»، ولكن بعد فوات الأوان، لأن سلطان الدمّ المهدور، لا يعترف بالمصالحة المصطنعة، ويحرّض على دفع ثمن النزيف الذي لا يُقدَّر بثمن، ليستمرّ ناموس «الكلّ ضدّ الكلّ» في الهيمنة على الوضع، فلن يدهشنا أن تلقّن السعودية الجيل درسًا في التطوير، لا التثوير، عندما استثمرت معجزة الإصلاح، التي أعجزت هواة الشعارات الطائشة في تحقيق الأوهام، فحصدنا بفضلها الآلام، بدل الأحلام! سليل الحرف وسليل الروح • بعد أكثر من نصف قرن من الكتابة، كيف تريد أن يتذكرك القارئ العربي؟ كروائي، كحكيم، أم كابن للصحراء؟ - لا أريد أن يتذكّرني العالم كمجرّد سليل صحراء، ولكن كسليل صحراء كشف للعالَم حقيقة الصحراء، ليؤدّي الواجب نحو الصحراء، عملًا ببنود العهد المبرم مع الصحراء، يوم ابتلعتني في سفر الضياع، لتعيدني إلى العالم، تحقيقًا لتجربة بعث حقيقية، كان لها الفضل في تحريري من إنسان الحرف، لأحلّ ضيفًا في ملكوت الروح. الزمن الأسطوري • ما النص الذي تخاف أن يكتبه غيرك لو تأخَّرت أنت عنه؟ - لا وجود لنصّ أخاف أن يسبقني إليه غيري، بل أتمنَّى وجود نصّ من هذا القبيل، وأتمنّى أن يسبقني إليه غيري، لكي أستمتع به كاكتشاف في عالمٍ يعاني الإفلاس، واغتربَ منذ زمن بعيد عن كل ما يمكن أن يستفزّ فينا الفضول، ذلك أن الخيال سلطانٌ بمواهب الجنّ، لأنه علّمنا أن كل ما نستطيع أن نتخيّله هو واقعةُ واقعٍ، حدث إمّا في الماضي، أو يحدث في الحاضر، أو رهين حدوث في المستقبل، وبما أنّي أحيا، بروح صحرائي، التي لقّنتني درس الزمن الأسطوري، فإني أحيا الأزمنة الثلاثة دفعةً واحدة، مما يهبني القدرة على أن أقرأ كل ما سيقع على ضوء ما وقع، وما هو واقع، فلا جديد، في يقيني، كان يومًا، ولا جديد قيد الكينونة، ولا جديد سيأتي به الغد، لأنه لن يكون سوى نسخة ممّا كان، وممّا هو كائن! وليس مصادفةً أن يكون أكثر أسفار العهد القديم عدميّةً، وهو سفر الجامعة، إنجيلي المفضّل، لأنه الترجمان الأمين لحقيقة الأزمنة، عندما نحكّم في حقّها الخلود حكَمًا.