شهد المسرح السعودي في السنوات الأخيرة بروزًا لافتًا لظاهرة المخرج المؤلف أو الكاتب المخرج، بوصفها إحدى تمظهرات التحول في بنية الإنتاج المسرحي، وتبدّل آليات الاشتغال الفني، وقد جاءت هذه الظاهرة نتيجة طبيعية لجملة من التحولات؛ من بينها الزعم بمحدودية النصوص المسرحية المحلية، ورغبة بعض المخرجين في امتلاك رؤية شمولية للعمل، إضافة إلى تأثير التجارب العالمية التي كرّست هذا النموذج بوصفه خيارًا إبداعيًا مشروعًا. على المستوى النظري، تمنح ازدواجية الكاتب/المخرج وحدةً عضوية للنص والعرض، حيث تتماهى الرؤية الدرامية مع الرؤية الإخراجية، بما يحدّ من فجوات التأويل أو سوء الفهم بين النص والتنفيذ. هذا ما نجده بوضوح في تجارب عالمية بارزة، مثل تجربة الألماني برتولت بريخت، الذي لم يكن يكتب نصوصه بمعزل عن تصورات إخراجية دقيقة، أو تجربة صمويل بيكيت الذي فرض شروطًا صارمة على إخراج نصوصه، بل أخرج بعضها بنفسه، حفاظًا على منطق العبث الذي أراده، وفي المسرح العربي، شكّل سعد الله ونوس نموذجًا قريبًا من هذا التصور، إذ كتب نصوصًا تنطوي على وعي إخراجي عالٍ، فيما مثّل الفاضل الجعايبي في تونس نموذج المخرج المؤلف الذي يبني العرض من مختبر التمثيل قبل اكتمال النص. في السياق السعودي، تجلت هذه الظاهرة في عدد من التجارب المعاصرة، حيث اتجه بعض المسرحيين إلى كتابة نصوصهم وإخراجها في آن واحد، إما بدافع الضرورة الإنتاجية، أو بدافع الرغبة في التحكم الكامل بالمنجز الفني، ويمكن رصد ذلك في عروض اعتمدت على النص المفتوح أو الكتابة أثناء البروفات، بحيث يصبح النص نتيجةً للعمل المسرحي لا سابقًا عليه، وقد أسهم هذا النهج في تقديم عروض تمتاز بتماسك بصري ودرامي، وبحس تجريبي واضح، خاصة في مسرح الشباب والمسرح المستقل. غير أن هذه الظاهرة، على الرغم من إيجابياتها، لا تخلو من إشكاليات فنية ونقدية. فجمع السلطتين (الكتابة والإخراج) في يد واحدة قد يؤدي إلى نوع من الانغلاق الإبداعي، حيث تغيب المسافة النقدية الضرورية بين النص والعرض، كما أن هيمنة رؤية واحدة قد تُضعف الحوار الخلاق الذي يفترض أن ينشأ بين الكاتب والمخرج، وهو حوار كان، تاريخيًا، أحد أهم مصادر تطور اللغة المسرحية. وفي بعض التجارب السعودية، لوحظ أن النصوص تعاني من ترهل لغوي أو فكري، أو أن العروض تنزلق نحو الاستعراض البصري على حساب البناء الدرامي، نتيجة غياب الطرف المقابل القادر على المراجعة والتقويم. من جهة أخرى، تطرح الظاهرة سؤال الاحتراف والتخصص في المسرح السعودي: هل نحن أمام خيار جمالي واعٍ، أم أمام حلّ مؤقت لغياب منظومة متكاملة تضم كتابًا ومخرجين يعملون في إطار تشاركي؟ الإجابة تظل مرهونة بتطور الحركة المسرحية، وبقدرتها على إنتاج نصوص مسرحية مستقلة، وتشجيع الشراكات الإبداعية، دون إقصاء لتجربة المخرج المؤلف بوصفها أحد المسارات الممكنة لا المسار الوحيد. في المحصلة، تمثل ظاهرة المخرج المؤلف في المسرح السعودي سيفًا ذا حدين: فهي من جهة تفتح أفقًا للتجريب وتكثيف الرؤية الفنية، ومن جهة أخرى تستدعي وعيًا نقديًا يحول دون تحولها إلى نمط مهيمن يحدّ من التنوع والاختلاف، وهما جوهر الفعل المسرحي الحي. *كاتب وناقد مسرحي