قاسم الرويس يقرأ مسار أول «أنثروبولجي» سعودي ويدعو إلى تكريمه..
دراسة جديدة عن سعد الصويان تكشف جوانب غير معروفة من حياته.
صدر حديثًا عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ضمن سلسلة «دراسات»، كتاب بعنوان «سعد الصويان: قراءة لا سيرة»، للباحث والمؤرخ قاسم بن خلف الرويس، يتناول فيه المسار العلمي والفكري للدكتور سعد الصويان، أحد أبرز علماء الأنثروبولوجيا في المملكة، وأول أكاديمي سعودي تخصّص في هذا الحقل المعرفي. تقدّم الدراسة مدخلًا تحليليًا يربط بين التجربة الشخصية والتحولات الثقافية والاجتماعية التي شهدها المجتمع السعودي خلال العقود الماضية، معتبرة أن مشروع الصويان العلمي لا يمكن فصله عن سياق نشأته، ومسيرته التعليمية، وخياراته البحثية التي انحازت مبكرًا إلى الثقافة الشعبية والذاكرة الشفهية. وتتوقف الدراسة عند البدايات الأولى في حياة الصويان، حيث شكّلت تجربة اليتم والفقر المبكر حساسيته تجاه الهامش الاجتماعي، وأسهمت في توجيه اهتمامه لاحقًا إلى حكايات الناس البسطاء، والسرد الشفهي، والشعر النبطي بوصفه سجلًا ثقافيًا حيًا. كما تشير إلى الدور الذي لعبته البيئة النجدية، ومدينة عنيزة على وجه الخصوص، في صقل وعيه المبكر، بما تحمله من تراكم معرفي وحضور للشعر والتاريخ الاجتماعي. وتولي الدراسة أهمية خاصة لمرحلة الابتعاث إلى الولايات المتحدة، التي امتدت قرابة سبعة عشر عامًا، وتصفها بأنها منعطف حاسم في تشكيل شخصية الصويان العلمية. ففي هذه المرحلة، انتقل من علم الاجتماع إلى الأنثروبولوجيا، باعتبارها الحقل الأقدر على تفكيك البنى الثقافية للمجتمع المحلي، وفهم العلاقة بين الذاكرة الشفهية والتاريخ المكتوب، وهو التحول الذي أسس لاحقًا لمشروعه البحثي الممتد. كما تتناول الدراسة عودة الصويان إلى المملكة مطلع الثمانينيات، وما واجهه من صدامات فكرية وثقافية، لا سيما بسبب انشغاله بالشعر النبطي والثقافة الشعبية، وهي موضوعات لم تكن تحظى آنذاك باعتراف أكاديمي واسع. وترصد الدراسة كيف تحولت هذه المواجهات إلى دافع لإنجاز مشاريع توثيقية كبرى، شملت جمع المرويات الشفهية من مصادرها الأصلية، والمشاركة في إعداد أعمال موسوعية ووثائق مرجعية عن الثقافة التقليدية في الجزيرة العربية. وتعرض الدراسة بإيجاز أبرز مؤلفات الصويان وإسهاماته العلمية، مؤكدة أن مشروعه أسهم في إعادة الاعتبار للثقافة الصحراوية، وطرح مقاربات جديدة لفهم الشعر النبطي بوصفه امتدادًا تاريخيًا للشعر العربي، لا ظاهرة هامشية أو منفصلة عن سياقه الحضاري. وتتوقف الدراسة عند محطة مفصلية في مسيرة الصويان، حين أعلن عام 2011م عرض مكتبته الخاصة للبيع. وكانت المكتبة تضم آلاف الكتب في شتى مجالات المعرفة، إضافة إلى مطبوعات نادرة، ومخطوطات، وتسجيلات صوتية قيّمة جمعها على مدى عقود. وقد أثار القرار جدلًا واسعًا في الأوساط الثقافية، غير أن الصويان أوضح أن دوافعه كانت علمية وواقعية، بعد أن استنفد أغراضه البحثية منها، وحرصًا على أن تُحفظ هذه الثروة المعرفية في مكان واحد يضمن استمرار الإفادة منها. وتحققت هذه الرغبة عندما اقتنى صاحب السمو الملكي الأمير محمد الفيصل المكتبة والمجموعة الصوتية، وأهداها إلى مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، لتتحول من ملكية فردية إلى رصيد معرفي مؤسسي متاح للباحثين. ولم يقف الأمر عند ذلك، إذ استقطب المركز الصويان للعمل مستشارًا علميًا عام 2016م، في خطوة رآها الصويان استعادة لثقته بنفسه وبمشروعه العلمي، بعد سنوات من التهميش، معبرًا عن امتنانه للدعم الذي وجده داخل المؤسسة وتسلط الدراسة الضوء على الجوانب الإنسانية في شخصية الصويان، واصفة إياه بصاحب ثقافة موسوعية، ومنهج علمي صارم، واستقلالية فكرية واضحة، إلى جانب صدقه وصراحته التي كثيرًا ما وضعته في مواجهة مع السائد. كما تؤكد تواضعه وكرمه العلمي، سواء في تعامله مع الباحثين أو في إتاحته مئات المصادر والمراجع عبر موقعه الإلكتروني، الذي تحول إلى مكتبة معرفية مفتوحة. ودعا الرويس في ختام دراسته الجهات المختصة إلى تكريم الدكتور سعد الصويان تكريمًا نوعيًا يليق بمكانته العلمية، مقترحًا إنشاء كرسي بحث باسمه في إحدى الجامعات السعودية، أو تأسيس مركز بحوث مستقل يحمل اسمه، مؤكدًا أن الاستثمار في هذه القامات العلمية يُعد من الحقوق الطبيعية للعالم على وطنه. ويُعد قاسم بن خلف الرويس من الباحثين المتخصصين في تاريخ وتراث الجزيرة العربية، وقد عمل مستشارًا في دارة الملك عبدالعزيز، وباحثًا في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية. وله عدد من المؤلفات البارزة في التاريخ والتحقيق، من بينها: «يوميات الدبدبة»، «مسائل الجوار والحماية عند البادية»، «رشدي ملحس من نابلس إلى الرياض»، «مخطوطة العسافي»، «أخبار نجد»، «كتب إلينا من جزيرة العرب»، «بدويات وحضريات»، «سوانح أفكار لأمير البيان شكيب أرسلان»، «مذكرات يوسف ياسين»، «الملك فيصل في الفيصل»، و«نجديات الكرملي».