قراءة في رواية براك البلوي الجديدة (بهو الفندق)..

محوريّة الأمكنة وتعدّد الأزمنة والتحليق في آفاق رومنسية وتصوير للنزعات النفسيّة.

للوهلة الأولى يظن قاريء هذه الرواية أنها رومانسية الطابع لا تختلف عن مثيلاتها من الروايات العربيّة التي تندرج في إطار هذه المدرسة، ولعل أهم ماتتميز به الرواية الرومانسية العربية إبراز عاطفة الحب في سياقها الاجتماعي الأخلاقي، حيث البطل المأزوم بحساسيته المفرطة، وعجزه عن النوفيق بين الواجب و الرغبة، ثمّ اللغة الشاعريّة المثخنة بالمجاز والتأمل في الطبيعة البكر، واعتبارها مرآة لمشاعره وهمومه في ظواهرها المتغيّرة بوصفها مرآة لحالته النفسيّة ، والامتياح من أغوار الذات، والنهايات الدرامية المأساوية ، واحتفالها بالمسآلة الاجتماعيّة في سطوتها و تقاليدها وتابوهاتها ، وكثيراً ما نلمس فيها الاهتمام بأزمة الانتماء و الهوية والاغتراب على نحو أو آخر في سياق التحوّلات الكبرى و المنعطفات التاريخية ، في اختلاف بيّن عن الرومانسية في الرواية الغربيّة التي لا تحفل بالبعد الاجتماعي معتدّة بمركزية الفرد ورغباته الذاتيّة ،وتمردها على العقلانية والدين و التقاليد، وفي حين تتكيء الرومانسية العربية على الروح تُعلي الرومانسية الغربية من قيمة الجسد ، وتنتهي الرواية العربية الرومانسية بالفقد والحزن والخيبة والانكسار ،وتأتي في سياق النهضة المنشودة والبحث عن الذات ،في الوقت الذي تأتي فيه الرومانسية الغربية في إطار فلسفيٍّ تمرديٍّّ مقابل الصراع من النزعة الماديّة ، ومن المهم التأكيد على أن الرومانسية في الرواية العربية ليست مدرسة متماسكة كما في الغرب ؛بل نزعة عابرة للتيارات (تتداخل مع الواقعية، النفسية، الوجودية) وتتحدّد أكثر بـ اللغة، وبناء الذات، ونظرة النص للحب والوجود. ولعل أهم ما نلحظه في هذه الرواية السرد التأمليّ الاغترابيّ الوجدانيّ ، وغلبة الوقفات الاستدراكيّة التي تعلّق وتفسّر وتتأمل و تستنتج وتحلّق بعيداً في آفاق وجدانية مستذكرةً -فيما يشبه الاسترجاع- وقائع سابقة باعتبارها منطلقاً لقراءة اللحظة في حضورها الوجدانيّ ، فغلب (الخطاب الذي يعني توقف السرد وانطلاق التأمّل والتحديق في معطيات اللحظة السردية (على التاريخ (المصطلح الذي اختاره الشكلانيّون الروس لتوالي الأحداث في السرد) وهذه الظاهرة غالبة في الرواية بحيث يمكن تلخيص أحداثها في عدد قليل من الصفحات ، فالرواية تهتم بمفاهيم الحياة والحب في تجلّياته و علاقته بالروح و المعاناة والتحوّلات الزمنيّة والطواريْ ؛ وخاصة فيما يتعلق بوباء الكورونا الذي تحكّم في سير السرد وانعطف بوقائعه وأثّر في مصائر أشخاص الرواية ومسيرة العلاقة بين طارق وزهراء بطلي الرواية، والجرأة واستقلاليّة الرأي ، وهو ما مكّن زهراء من الانفصال عن زوجها واتخاذها قرار الزواج من حبيبها القديم (طارق) وكذلك قرار طارق الزواج منها دون اكتراث بردود الفعل عند زوجته (هيفاء) وكذلك الصدام بين الرغبات و المصالح ، والانتقام في أبشع صوره حين فكر زوج زهراء السابق إشعال الحريق في حفل الزفاف المقام . وللمكان في الرواية أهميته الدلاليّة و الفنيّة ؛ فهو محور العنوان الرئيس في الرواية عتبة النص ومفتاحه ؛ فمجمل الأحداث تدور في الفندق بهواً ومواقع أخرى؛ فاللقاءات بين بطل الرواية طارق وصاحبته زهراء بدأت بالبهو واستمرت فيه، ومعنى البهو في اللغة السَّعة و الانفتاح والفراغ المعماري غير المغلق ، والانتقال بين الداخل والخارج ،وهو مكان لا يُخصَّص لوظيفة واحدة، بل يتّسم بالمرونة والاستقبال. وهو في معناه الدلاليّ فضاءٌ انتقاليٌّ يتوسّط بين الداخل والخارج، ولا يستقر على مفهوم معين ؛أمّا في الخطاب الأدبي، فيتحوّل البهو إلى رمزٍ لحالة القلق الوجودي والانتظار وفضاء للزمن المؤجَّل والهوية المعلَّقة، بما يجعله من أكثر الأمكنة قابلية للتأويل الرمزي ، من هنا كانت أهميته المركزيّة في الرواية كعلامة سيميائيّة محورية في الرواية ، وكذلك الأمكنة الأخرى لا تقل أهمية ، مثل شاطيء البحر الذي أُغمي فيه على زهراء وسبّب إشاعة موتها الذي انحرف بالحدث الروائي إلى وجهة أخرى ، وكذلك البيت الذي تحسم فيه القرارات في الاجتماع العائلي فأعلنت فيه الرغبة في الزواج بزهراء وفق الشروط التي وضعتها المرأة الأولى ، فالمكان هنا ليس مجرد وعاء للحدث و لامجرد مساحة لحركة السرد بل يرتبط عضويا ببنية النص؛ فالبهو ثمرة جهد وموضع مساومة ومحور اتفاق فضلاً عن المعاني التي سبقت الإشارة إليها فهو ينطوي على مفاهيم الثبات و التحوّل والحضور و الغياب . أما الشخصيات التي تتبادل الظهور و الخفاء و الأمل و اليأس والوصل و الجفاء فهي منوطة بإداة قدريّة تحكم حركتها ؛ فلم يكن انقطاع الصلة بين الحبيبين بطلي الرواية إلا من قبيل الصدفة ، وكذلك التقائهما ثانية؛ والاهتمام المتفاوت في بناءهما فنيّا، فكان الوصف الاصطفائي الذي يركز على مظاهر الجمال وأنماط السلوك وأسلوب الخطاب وطريقة الحديث ومنحى التفكير ومنهج الحياة وفلسفة السلوك، حيث الجرأة في اتخاذ القرار واستقلالية الشخصية ،وباقي الشخصيات الثانوية كان لها دورها في ضبط مسار الحيث ةتلوينه وخصوصيته واستكماله للمفاهيم السائدة و القيم المُهيمنة وأنماط البشر في حالات الغيرة والشعور بالخذلان والخيانة والنزعات الخاصة ،فالزوجة الأولى تضمر الشر انتقاماً؛ ولكنها تتراجع وفق تصوّرها عن الأم ،والزوج المخلوع الذي يشعل فتيل الشر؛ ولكنه يلوذ بالفشل و الخسران المبين، والكل مُسيّر بالقدر و المشيئة والإرادة . والأسماء ذات دلالة لاتخفى على المتلقي، طارق بطل الرواية معنى يحيل إلى دلالة تُنبيء عن دوره ، فهو منطلق قاده إلى العمل في مجالات شتى فكوّن ثروته ، وبادر إلى الزواج وفاءً لزهراء على الرغم من فارق الزمن الذي فرّق بينهما ، و ما باحت به من اعتلالها صحيّاً ؛ ففي تلك المبادرات معنى الجرأة والاقتحام و عدم الخوف من المصائر و النتائح المتوقّعة ، وأما زهراء فعل الرغم مما مرت به من محنة المرض والفشل في الزواج فقد قاومت الجفاف و الذبول وظلت يانعة مزهرة ، وأما اسم زوجة طارق (هيفاء) فيدل على الجمال الذي اجتذبه عوضاً عن محبوبته التي ظن أنه فقدها إلى الأبد. واللافت في هذه الرواية أنها تمت بصلة إلى ما يمكن أن يُسمّى ب(أدب الأوبئة) فيبدو واضحاً أنها في جانب منها مُستوحاة من الفترة التي انتشرت فيها (كورونا) فاحدثت آثاراً اجتماعيّة و نفسيّة لايخطؤها المتأمل في أحداث الرواية وبعض مفاصل التحول فيها. وفي الرواية تتقاطع الأزمان ما بين طبيعي وكوني وتاريخي ونفسي،والمعروف أن الزمن في الرواية يعني الكيفيّة التي يُنظَّم بها الوقت داخل النص السردي، وليس هو الزمن الواقعي بالضرورة، بل زمنٌ فنيٌّ يخضع لرؤية الراوي وتقنيات السرد. وهناك مايعرف بالزمن التاريخي المرجعي، ويتجلّى في هذه الرواية في المرحلة التي انتشر فيها وباء كوورونا في نهاية العقد الثاني من هذا القرن وهو زمن يُحيل إلى واقعٍ تاريخيٍّ أو اجتماعيٍّ خارج النص، و يمنح النص توثيقاً مرجعيّاً؛ أما الزمن الداخلي (الزمن الفني / زمن الحكاية) فهو الزمن الذي استغرقته الأحداث داخل عالم الرواية نفسها، بغضّ النظرعن ترتيب عرضها بين امتداده وانحساره حسب موقعه من السياق السردي ، وهو زمن متعلق بشخصيات الرواية ، وهو في هذه الرواية مُتقطّع مضغوطٌ في وقائع وأحداث تتّصل بالحبكة الروائية وتنظيم الوقائع فيها ، مابين لحظات السقوط على الشاطيء وامتاد الغياب بلا نهاية حين ظن طارق أن محبوبته قد ماتت ، وزمن اللقاءات المتكررة في البهو وما إلى ذلك، ثم زمن الخطاب أو السرد ،وهو الزمن الذي يستغرقه السارد في عرض الأحداث داخل النص،ويقاس بالشريط اللغوي وما يستغرقه من صفحات، ويتضمن عنصري التاريخ و الخطاب، أي متواليات السرد و وقفات التعليق و التامل؛ فقد تقع أحداث سنوات في صفحة، أو تُفرد صفحات للحظة واحدة؛ وهو ما سبق أن أشرت إليه من طول مقاطع الخطاب التأملي الذي يستبطن دخائل الشخصبات في الرواية وقصر مقاطع السرد . أما الزمن النفسي (الذاتي) فهوالزمن كما تعيشه الشخصية شعوريًا زمن القلق و التفكّر والشوق و الترقب وهو ماثل في الرواية على نحو طاغٍ، وهو ما يميّز السرد الوجداني الرومانسي، ومردّه إلى الذاكرة والانفعال يتباطأ في الحزن ويتسارع في الفرح ، فعند اللقاء بين طارق وزهراء يتسارع الزمن النفسي و في لحظات الترقُّب يتباطأ الزمن؛ وأما الزمن الدائري ؛ فهو الذي يعود إلى نقطة البداية، فتتكرر الأحداث أو الدلالات. والزمن الخطي هوالذي يمضي فيه السرد وفق الترتيب الزمني المعتاد،وهو في هذه الرواية يمضي على هذا النحو في مجمله فحبكته بنيت وفق هذا التنامي في الوقائع ويوصف بأنه مبنيٌّ على أساس المقدمات و النتائج؛ ولعل ما يعرف بالزمن المعلق زمن تتوقّف فيه الحركة السردية ظاهريًا، حيث يسيطر الوصف و التأمل والإحساس بالترقُّب . وليس من شك في أن تقنيات الزمن الروائي ، ومنها الاسترجاع ، حيث العودة إلى الماضي تعدّ التقنية الأبرز في هذه الرواية، فهي الوسيلة المحوريّة في بناء الحبكة، حيث العودة إلى الحدث الفاصل حين وقعت زهراء على شاطيء البحر وظنّ طارق أنها ماتت ، وتدفقت بعدها أحداث الرواية إلى أن وصلت إلى مجيئها إلى الفندق ولقاء طارق بها،إذ كرّ السارد راجعاً إلى مرحلة البدايات عبر الاسترجاع ليسرد الأحداث التي تلت تلك الواقعة ؛وكلك التلخيص حيث ضغط زمن طويل في مساحة قصيرة ؛ ولعل مما يميز هذا العمل الروائي أنه يخوض في قضية ذات بعدين: الأول: وجداني يحلق بالقاريء في أجواء رومانسية تستدعي الروايات الرومانسية العربية التي بدت ذات نكهة عاطفية موغلة تعيدنا إلى روايات يوسف السباعي ومحمد عبد الحليم عبد الله أقطاب هذه المدرسة اللامعين ، حيث سِيَر المحبّين وتضحياتهم ومآلاتهم ، والثاني واقعيّة سيكولوجيّة تعالج الغيْرة النسويّة في أوج اشتعالاتها وصراعها النفسي في مساءلاتها الذاتيّة ، والحقد المدمر الذي يشعل النار في نفوس أصحابه قبل أن يشعلها في الآخرين.