حياة في الصناعة..

حكايات ذاكرة ميدانية.

سرد عبد الله بن علي الصانع في كتابه «حياة في الصناعة» رحلته المهنية التي امتدت ما يقارب خمسة وأربعين عامًا، عاشها متنقلًا بين المصانع، والمكاتب، وبين خطوط الإنتاج، وقاعات الاجتماعات، وبين التحديات اليومية، والرؤى الاستراتيجية، وسط تحولات كبرى في قطاع الصناعة بالمملكة، جعلته شاهدًا ومشاركًا في نشأة مشاريع ومراحل تطورها، منذ كانت فكرة، وصولًا إلى واقع صناعي ملموس ومعاش، متوجًا هذه الرحلة بابتكارات عدة ومؤلفات. الانطلاق من أرض صلبة البداية جاءت من صندوق التنمية الصناعية السعودي، أحد أذرع الدولة التنموية المهمة، والذي أسس بهدف دعم المشاريع الصناعية، وتقديم القروض الميسرة للمصانع الناشئة، حيث التحق الصانع بقسم إدارة التسويق، بعد تخرجه من جامعة البترول والمعادن، في فترة كان الصندوق يعمل على تأهيل موظفيه الجدد ضمن برامج تدريبية متخصصة، وابتعاث لمدة عام كامل، لجميع موظفي الأقسام. توافقت فترة التحاق الصانع بالصندوق مع قرار الغاء ابتعاث منسوبي إدارة التسويق، فكان أن فكر أن يصقل نفسه بالتدريب الداخلي، وفي مصانع سعودية، الفكرة التي أيدها الصندوق، ورحبت بها المصانع، فكانت أول انطلاقته التدريبية من جدة. عام من التدريب، واكتساب المعرفة بعالم المصانع والصناعة، كانت حافزًا لمجموعة الزامل ان تعرض على الصانع العمل معها، وإدارة مصنع للبلاستك سبق للمجوعة أن استحوذت عليه من باب التوسع في المجال الصناعي، العرض الوظيفي الذي كان في فترة تقديس العمل الحكومي، والانتقال منه إلى القطاع الخاص مجازفة، فضلًا عما يتزامن معها من تردد وتحفظ عاشه الصانع. الدراية بطبيعة الصناعة تولدت لدي الصانع القناعة بأن لكل تجربة زمنها وسياقها، وأن التجارب -رغم قصرها- أضافت له الكثير على الصعيدين المهني والشخصي، واستدل على ذلك بمواقف عدة، منها فكرة تأسيس مصنع ألواح البلاستيك، وبإيعاز من مجموعة من أصدقائه، ذلك المشروع الذي لم يُكمِل العام، نظير رغبة شركة منافسة الاستحواذ عليه، وبعرض مالي كبير، استطاع ان يفرض الموافقة على الشركاء. تعلّم الصانع من هذه التجربة أن الشراكة في المجال الصناعي يجب أن تُبنى على أسس صلبة، وأن من أهم مقوماتها أن يكون الشركاء على دراية بطبيعة الصناعة، وملتزمين بالنفس الطويل الذي تتطلبه هذه المشاريع، إضافةً إلى توفر الملاءة المالية والصبر اللازم لمواجهة التحديات التي لا مفر منها «ورغم أنها تجربة لم تحقق كل طموحاتي، فإنني أؤمن بأن الفشل ليس في البيع، بل في ألا نخرج بتجربة مفيدة ». ثقافة الأسواق الخارجية وحرص الصانع على إيراد مرحلة مهمة، وقفزة نوعية كبيرة في عالمه الصناعي، والصناعة في السعودية، تجلت في التصدير إلى ما يقارب 52 دولة حول العالم، هي ثمار نجاح تزامن رحلة الصانع مع مجموعة الفوزان، وكانت بمثابة الفنار الذي كشف للصائغ ثقافة الأسواق الخارجية. قال: «في الأسواق الخارجية، لا يكفي أن تقدم منتجًا جيدًا، بل يجب أن تبني العلاقة مع العميل على أساس من الثقة، والشفافية، والاستجابة السريعة لمتطلباتهم، فالمشترون من خارج المملكة غالبًا ما يبدؤون علاقتهم بالتحقق الدقيق من إمكانيات المصنع، وسير العمل فيه، وطريقة إدارة الجودة، ويمتد فضولهم ليشمل حتى ظروف العاملين ومزاياهم، فالتصدير الى الخارج قوامه الإدارة الجيدة، في ظل فريق عمل متمكن». معايير النجاح الصناعي أدرك الصانع في رحلته الصناعية أن النجاح لا يتطلب الكثير من الحظ، بل الكثير من الطُرق، والكثير من الصبر، والكثير من النية الصادقة «وإن لم تسع بنفسك، وتطلب المشورة، والمساعدة، فلن تأتي إليك، فالمبادرة هي مفتاح الاستفادة من كل شيء، ومما ذكره «المصنع ليس الجدران ولا الآلات، المصنع هو من يشغله، ومن يؤمن بفكرته، والمصنع لا يشغل بالمعدات فقط، بل بالعقول التي تدير، والقلوب التي تؤمن، والأنفس التي تعمل بإخلاص، والمشروع إن لم يُراقب بدقة منذ لحظة صب الأساسيات، فقد تُفقد السيطرة عليه لا حقًا، ويضيع الوقت والجهد». الإدارة بالمحبة كان يؤمن في كل مرحلة من مراحل ادارته لمصنع، أن القلوب تُفتح قبل الأبواب، وإن العلاقات الصادقة تُبنى على الثقة، لا على الرهبة «لذلك اتبعت ما أسميه الإدارة بالمحبة، وهي فلسفة بسيطة في ظاهرها، عميقة في جوهرها، تقوم على أن يحبك الناس، ويحترمونك لأنك قريب منهم، صادق معهم، لا لأنك تملك سلطة التوجه والعقاب، والمصانع لا تبنى فقط بما تنتجه، بل بما تعكسه من صورة وبما تزرعه من قيم، كل مصنع صغيرًا كان أم كبيرًا يحتاج إلى ورشة صيانة متكاملة، لا لدعم العمل فقط بل لضمان استمراريته، وتقليل التكاليف، والاعتماد على أطراف خارجية، والعلاقة بين المصانع - حتى وإن كانت ضمن مجموعة واحدة - يجب أن تبنى على الاحترافية والالتزام لا على التوقع أو حسن الظن فقط». مشاريع متقاعد اكتفى عبدالله الصانع بخمسة وأربعين عامًا في عالم المصانع والصناعة، فآثر التقاعد، وتلبية نداء داخلي يحفزه على الدخول في عالم الابتكارات الصناعية، فظهرت أول ابتكاراته طبليات بلاستيكية مجمعة «رأيت في هذا الاختراع اختراقًا نوعيًا في سوق الطبليات البلاستيكية، وبديلًا حقيقًيا منافسًا للخشب، ويمنح السوق حلولا أكثر مرونة، وأكثر استدامة». وتولّد الابتكار الثاني من تأمل بسيط في الطريقة التقليدية في تثبيت الأشجار بواسطة قوائم خشبية رديئة وربطها بالحبال «وهنا بدأت تتكون لدي الفكرة، لماذا لا يتم استبدال هذه القوائم الخشبية البسيطة بقطعة بلاستيكية ذات تصميم هندسي جميل ملونة بلون أخضر يتناغم مع لون الأشجار، سهلة التركيب، أنيقة في المظهر، تحمي الأشجار بكفاءة عالية، وعملي للغاية من حيث طريقة الطي والتراكيب، إلا أن الابتكار اصطدم بجدار التمسك بالتقليدية، وعدم الرغبة في التغير من أصحاب الشركات المنفذة لمشاريع التشجير». الصانع وصل إلى نتيجة أوجزها في قوله «أدركت أن الابتكار وحده لا يكفي، خاصة حين يتعلق الأمر بتغيير عادة متجذرة، أو التعامل مع مقاولي تنفيذ قد لا يكون لديهم دافع لتبني ما هو جديد، ولم يكن أمامي سوى الانتظار، والأمل في أن تتغير المعطيات، ويأخذ هذا المنتج مكانه الطبيعي في مشاريع التشجير مستقبلًا». وزيادة على ما سبق ذكره من ابتكارات، أوعزت الخبرة للصائغ على تأليف كتاب «طرق تصنيع البلاستيك» وإحساسه آنذاك أن الحاجة الماسة إلى مرجع فني مبسط باللغة العربية، ومتخصص بطرق، وتقنيات تصنيع البلاستيك، ويشرح تقنيات صناعة البلاستيك. خلاصة تجربة مكثفة كتاب «حياة في الصناعة» من إصدارات مركز الأدب العربي للنشر والتوزيع، ليس مجرد مذكرات شخصية، بل خلاصة رحلة صناعية، نثرها الصائغ عبر 291 صفحة من الحجم الكبير، مليئة بالتحديات، والإنجازات، والقرارات المصيرية، وشهادة حية على كيف للشغف والإصرار أن يوثق الأفكار واقعًا، والواقع قصص نجاح. يمد الصائغ القارئ بجرعة من الأفكار والخبرات التي لا تدرس في قاعات الجامعة، بل تكتسب في الميدان، وأن النجاح في الصناعة ليس حلمًا بعيد المنال، بل هو ممكن حين تتوفر الرؤية، والعمل بروح الفريق، والثبات على الهدف، مسلطًا الضوء على ما يسمى بالتوسع الرأسي، والتكامل العمودي، والذي تُشرّعه الشركات المنافسة في المجال الواحد، ويعتليه اليقين أن «المشاكل لا تظهر دائمًا عند الولادة، بل قد تتسلل بعد أيام أو أسابيع، فحياة المصانع غرست فيني أن الصبر، والدراسة الدقيقة، وعدم التسرع في إطلاق منتج جديد، هي مفاتيح أساسية للنجاح في عالم التصنيع».