أكسفورد.. حين تكشف وجهها الآخر.

في مدينة أكسفورد، يكفي أن تخطو خطواتك الأولى حتى يخيل إليك أنك تمشي في كتاب مفتوح. أبراجها الحجرية، ومباني جامعتها العريقة، والجسور القديمة التي تصل ضفتي النهر، ترسم صورة مدينة يغلب عليها الطابع الأكاديمي. وقد يظن الزائر أن من يعبر شوارعها الضيقة هو أستاذ جامعي أو طالب علم. غير أن هذه الصورة، على صحتها الجزئية، لا تلبث أن تتغير عند الابتعاد قليلًا عن قلب الجامعة. فشهرة أكسفورد الأكاديمية جعلت منها، إلى جانب كونها مدينة علم، مركز جذب بشري واسع. ومع توسع النشاط اليومي، استقر فيها سائقون وحرفيون، وعمال مطاعم ومقاهٍ، وموظفو فنادق ومتاجر، قدموا من بلدان مختلفة بحثًا عن فرص العمل والاستقرار. وبمرور الوقت، تشكلت شريحة سكانية لا تنتمي إلى العالم الأكاديمي، لكنها أصبحت جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية للمدينة. ويُعد شارع كاولي نموذجًا واضحًا لهذا التحول. فالشارع، وما يحيط به من أحياء أقل كلفة سكنية، ومع توافر الخدمات وسهولة الوصول، تحوّل إلى مساحة إنسانية متنوّعة تعكس ملامح مدن أوروبا الغربية والولايات المتحدة. تتجاور فيه أعراق متعددة، وأديان مختلفة، ولهجات شتى. يعمل سكانه في المدينة، يعرفون أن فيها جامعة عريقة، لكن كثيرين منهم لا يعرفون عن تاريخها ولا عن تقاليدها الأكاديمية الراسخة، ولا عن تفاصيل معالمها الشهيرة. يمرون بها يوميًا دون أن تتجاوز في نظرهم كونها جزءًا من مشهد مألوف في طريق العمل، بعيدة عن الطقوس الجامعية التي ما زالت تحافظ على تقاليد عمرها قرون. هذا المشهد الإنساني، الذي يتشكّل من مهاجرين أو من أبناء الجيلين الثاني والثالث منهم، بألوان بشرتهم المختلفة، ولغاتهم الأم المتعددة، وخلفياتهم العرقية والدينية المتنوعة، لا يعبّر عن حالة محلية معزولة، بل يعكس تحولات أوسع شهدها الغرب خلال العقود الأخيرة. فالهجرة لم تعد مجرد انتقال أفراد بحثًا عن فرص أفضل، بل أصبحت عنصرًا رئيسًا في معادلة ديموغرافية واقتصادية معقدة. ففي الوقت الذي شُجّعت فيه دول العالم النامي طويلًا على خفض معدلات الإنجاب، دخلت دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة في مرحلة تراجع ديموغرافي واضح، مع انخفاض معدلات الولادة إلى مستويات غير مسبوقة. وقد انعكس هذا التراجع على أسواق العمل وأنظمة التقاعد والرعاية الصحية، وخلق نقصًا ملحوظًا في الأيدي العاملة، خصوصًا في القطاعات الخدمية والحيوية. وأمام هذه المعطيات، برزت الهجرة بوصفها حلًا عمليًا، رغم ما تثيره من نقاشات سياسية وثقافية حول الهوية والانتماء. ومع تزايد حضور المهاجرين، تغيّرت ملامح المدن، وبرزت في المقابل مخاوف غذّت صعود تيارات سياسية رافضة لهذا التحول. التراجع عن الهجرة لا يقدّم حلًا بديلًا، بل يزيد الأزمة تعقيدًا. فالتقنيات الحديثة لا تستطيع تعويض النقص البشري بالكامل، وتشجيع الإنجاب يظل حلًا طويل الأمد لا تظهر نتائجه سريعًا. ونتيجة لذلك، تجد مدن أوروبا الغربية والولايات المتحدة نفسها أمام واقع جديد، يتغيّر فيه المشهد الإنساني بصورة لافتة. فبعد أن كانت الشوارع، لعقود طويلة، تعكس حضورًا أوروبيًا متجانسًا إلى حد كبير، أصبحت اليوم مساحات يتجاور فيها بشر من خلفيات عرقية وثقافية متعددة. هذا التنوع لم يعد استثناءً أو ظاهرة عابرة، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية لمعظم المدن الغربية، وواقعًا ديموغرافيًا فرضته الحاجة الاقتصادية قبل أي اعتبارات أيديولوجية، ما يضع هذه المجتمعات أمام تحدي إدارة هذا التحول بقدر أكبر من الواقعية والوعي. malkarim@hotmail.com