محمد العلي .. والقسم الحائر.

ما كنت لأكتب عن الصديق الأستاذ محمد بن عبدالله العلي لأسباب يعرفها هو حق المعرفة، ولكني محب له ولكتاباته. أتذكر أني أجريت أمامه قبل سبع وعشرين عاماً تسجيلا مع الأستاذ سعد البواردي – رحمه الله – في 4/10/1418 هـ 1998 م عندما كان مقيماً بالقاهرة ضمن (برنامج التاريخ الشفوي) لمكتبة الملك فهد الوطنية. ولأن أبا عادل كان يؤيد ما أقوم به للتسجيل مع الرواد، صرت أطلب منه التسجيل معه فيوافق يوما، وأذكره في اليوم التالي فيعتذر، وتكرر الحال لعدة مرات حتى اضطررت أن أقسم أمامه – في لحظة انفعال – بأنني لن أسجل معه أبدا حتى لو طلب مني ذلك، وحتى الآن لم يتم التسجيل. والآن وقد مر على علاقتنا 50 عاماً، من رفقتنا عام 1396 هـ 1976 م ضمن المشاركين في الأسبوع الثقافي السعودي بالمغرب، أعود إلى صفحة العلي لعلي أستدرك قسطا مما فاتني في فرصة التسجيل. اليوم وفي شهر رمضان المبارك 1446هـ وأنا أحاول أن أكتب عن من يستحق اضافتهم للجزء السادس من (أعلام في الظل) من أبناء هذا الوطن المترامي الأطراف، وجدت مقابلة له في مجلة اليمامة مضى عليها أكثر من ثلاثين عاماً - لم أجد رقم العدد أو تاريخه في ما طبعته مؤسسة اليمامة باسم (بداية المشوار) - (ووجدت مقالات مطوله مما كتب عنه من بينها مقال لي بعنوان: (40 عاماً برفقة محمد العلي) نشرته عكاظ بعددها 17747 وتاريخ 10/6/1436هـ الموافق 20 مارس 2015 م، فقررت أن أكتب عنه ما تيسر. لأبدأ بمقدمة فؤاد نصر الله عند مقابلته بمجلة اليمامة سالفة الذاكر تحت عنوان: ((في النجف هزمت كل العمالقة ولو واصلت مشواري الشعري لتفوقت على الجواهري). قدم المحاور للمقابلة بقوله: ((محمد العلي قامة ثقافية وأدبية وصحفية.. قد تختلف معه وقد تتفق لكنك لا تملك إلا أن تحترمه وتقدر ثقافته واطلاعه الواسع على اتجاهات الحركة الثقافية والفكرية التي واكب بعض أكثر فصولها حيوية وتجاذباً و(مشاكسة) في بعض الأحيان. الأستاذ محمد العلي جلس على كرسي الذكريات ليروي ملامح من مشواره الحافل لـ (اليمامة) التي كانت واحدة من نوافذ إطلالته على الناس)). قال أنه عاد إلى الأحساء سنة 1964م وقال: ((عدت للمملكة شاعراً لم أجي كاتباً، لم أكتب إلا الشعر إلى ذلك الوقت كتبت النثر والزوايا الصحفية في المملكة.. أول قصيدة كتبتها في المملكة عمودية، وثالث قصيدة تفعيلية.. ولم أكن منفتحاً على الساحة الأدبية في المملكة. كنت بعيداً عن الساحة، بل أنني مكثت سنوات منفرداً تماماً، لا أعرف من الساحة الأدبية أحداً ولا يعرفني أحد، ذقت غربة رهيبة. بعد ذلك الجو الأدبي الزاخر بكل شيء، وإذا بذلك الصمت المقبري يحيط بي من كافة الجهات، لم اتعرف على الساحة إلا بعد ذلك. بعد فترة طويلة من عودتي، أصبحت أكتب في الصحف (أمام المرآة) ثم (كلمات مائية) ثم (بعد آخر)، وفي اليمامة كتبت (وقوفاً بها) والذي دعاني للكتابة بها مشكوراً الشاعر عبدالله الصيخان. وعن سبب تسمية زاويته مائية قال أن الآية الكريمة (وجعلنا من الماء كل شيء حي) هي التي أوحت له بهذا العنوان وعن رئاسته لتحرير جريدة اليوم قال: ((جاءت شبه عفوية، فقد كان رئيس التحرير الأستاذ محمد العجيان وهو رجل قدير، قدير في أن يدفع كل المحيطين به إلى الجد والعمل رغم هدوئه، لكنه جاء من الرياض، وكانت والدته ترفض أن تأتي إلى الشرقية، وكان براً بوالدته. فأرادت منه أن يترك المنطقة الشرقية ويعود للرياض.. في ذلك الوقت لم يكن هناك من يستطيع أن يدير كفة الجريدة من الموجودين سواي فرشحت فنقلت اعارة من وزارة المعارف إلى الجريدة وسيرت الجريدة لمدة سنتين 79-1980م)). وقال: ((أثناء رئاسة تحرير جريدة اليوم كان علي الدميني هو اللولب هو الذي يصنع الحركة الشعرية ولست أنا فقد كان علي وراء ذلك النجاح الباهر للملحق الثقافي (المربد). وعن فكرة الزاوية قال: ((فكرة الزاوية تعذبني، أي زاوية، أتعذب في انتقاء الفكرة أنا من الناس الذين يخافون القارىء، احترم القارىء، وبالتالي لابد أن أقدم له شيئاً، أشعر أن من واجبي أن أقدم له شيئاً أو أسكت وهذا شيء يعذبني وفكرة الزاوية هي الأصعب، وإذا جاءت الفكرة أنتهت. اللغة لدي ليست مشكلة.. الفكرة تأتيني من البداية لكن لا أضعها إلا في النهاية، ومعظم ما يأتي في البداية ثرثرة، ولكن على القارىء أن يقرأه حتى يصل إلى لب الموضوع في النهاية..)). وسؤاله عن قصيدة النثر قال: “لا أستطيع كتابة قصيدة النثر.. الذي يريد أن يكتب قصيدة النثر يجب أن يكون شاعراً وليس كلمات مصفوفة، أغلب ما ينشر على أنه قصيدة نثر لا علاقة له بالشعر ولست الوحيد الذي يقول هذا الكلام، أدونيس قال ذلك ومحمود درويش أيضاً قال نفس الكلام عن قصيدة النثر وغيرها. الذي يريد أن يكتب قصيدة نثر حقيقية عليه أن يعرف أنها أصعب بكثير من قصيدة التفعيلة والقصيدة العمودية لأن الشاعر يحتاج إلى تعويض الوزن والموسيقى يحتاج إلى رهافة”. وهل يعجبك ادونيس؟ أجاب: بالتأكيد إذا لم يعجبني أدونيس فمن يعجبني؟ وعن سؤاله.. ماذا عن مشروعك الجديد؟ أجاب: ((لدي مشروع جديد غير ما كتبت نهائياً، ولا أستطيع أن أتحدث عنه. ما عنوانه الواسع فكري فلسفي أدبي؟ أجاب: تستطيع أن تقول فكري. قال: ((ولدت في بلدة العمران بالأحساء في أحد التاريخين 1932 أو 1936م إذ لم يكن آباؤنا اعتادوا على الاهتمام بتسجيل تاريخ الميلاد، ونشأت بالعمران بدون دراسة سوى دراسة الكتاتيب (المطوع) حيث ندرس القرآن فقط حتى بلغت الثانية عشرة من العمر تقريباً حيث ذهبت إلى العراق وهناك قرر الوالد أن يبقيني لدراسة العلوم الدينية دارسة فقهية نجفية، وبقيت كما أراد الوالد ودرست الدراسة اللامنهجية التي يسمونها (السطوح) في لغة الحوزة العلمية ووصلت إلى مرحلة متقدمة في الدراسة ثم حولت إلى الدراسة الأكاديمية الحديثة وتركت الدراسة الحوزية)). وقال عن شعر الخمسينات: ((الشعر في هذه المرحلة يختلف تماماً، كان الجواهري والذي هو نجفي في أوج تألقه، وكان الجو الشعري في النجف في ذلك الوقت متوهجاً إلى حد يغريك في الانهمار والانهماك فيه والانصياع إليه، وكانت المناسبات عديدة، إذا لم يكن هناك مناسبة تخلق المناسبة، الشعراء أنفسهم يخلقونها، النجفي نفسه يخلق المناسبة، فقد كان هناك جو شعري رهيب، عشت في هذه الفترة وهي الفترة التي جعلتني اتعلق بالشعر تعلق تفّهُّم وليس تعلقاً عاطفياً فقط..)). وعن فرسان الشعر النجفي ذكر: ((فرسان الشعر في ذلك الوقت هم مصطفى جمال الدين وعبدالمنعم الفرطوسي، والشيخ محمد جمال الهاشمي، ومحمد الحبوبي، والشيخ على الصغير، هذا ما يحضرني من الأسماء..)) أما فرسان الشعر البغدادي فذكر الجواهري وعلي الشرفي.. هؤلاء بعد مرحلة الرصافي والزهاوي.. وقال عن موقعه: موقعي كان موقع الطالب، كنت في بداياتي الشعرية، ثم شاركت مشاركات ناجحة وأستطيع أن أقول أنني هزمتهم جميعاً.. وذلك عام 1962م. وعن بداياته قال: ((بدأت الكتابة بقصائد عادية جداً دون أن أتأثر بأحد، لأنني لا اتأثر بالشاعر ككل بل ببعض القصائد، وكنت أدرس المتنبي وأبا تمام حينذاك.. فقد أصبح لدي تكوين ذاتي فكتبت بعض القصائد وحدث نمو في الكتابة الشعرية إلى حد معين، وأول قصيدة كتبتها أذكر منها بيتين: صدح الباب فاشربي اللحن يا اذني وأروي به ظمأ الأماني هي أني أحس هرولة الشعر بقلبي وعقدة في لساني وأول القاء تم في حفل جمعية الرابطة التي كان يرأسها الشيخ محمد علي اليعقوبي، ألقيت قصيدتين الأولى (في عرس ضُرّتها) والثانية (طفلاي يصطرعان) وكان صوتي يخترق ذلك الجدار بعد ذلك تطورت أكثر إلى جانب اللحظة الحاسمة، فقد كان هناك حفل بمناسبة ميلاد الإمام الحسين وهو حفل يجتمع فيه العراق كله في النجف ويقام بشكل بهيج وهائل ولا يدخل إليه إلا الشخصيات المدعوة. من الموصل إلى بغداد إلى البصرة وكان المشتركون من الشعراء الشيخ محمد علي اليعقوبي والشيخ أحمد الوائلي والسيد جمال الهاشمي والشيخ الخضر ومحدثك. وكنت لأول مرة أتقدم لمثل هذا الحفل. وعندما ألقيت القصيدة كان لها دوي رهيب بحيث أطفأت كل الشعر الذي ألقي في ذلك الحفل)). سأكتفي بهذا الجزء من المقابلة أو الحوار والا فالحديث طويل. ولن أتناول مسيرته الأدبية وإنتاجه المستمر في عدد كبير من الصحف المحلية والخليجية، ولكني سأحصر بقية حديثي عنه بما حصل بيني وبينه قدر الإمكان. بداية معرفتي به عام 1976م أثناء مشاركتنا في الأسبوع الثقافي السعودي بالمغرب، توثقت العلاقة، كنت أعمل بمكتب الرئاسة العامة لرعاية الشباب بالأحساء ثم انتقلت لمكتب حائل، وكان المكتب ينفذ شيئاً من النشاطات الثقافية، فدعوته للمشاركة بأمسية شعرية مع الشاعرين علي الدميني وإبراهيم الدامغ، وافق ووعد ولم يف!! وتكررت دعوته وموافقته التي لم تتحقق .. ومرت الأيام وعندما بدأت الكتابة كتبت موضوعاً بعنوان (استجاب لدعوتي مرة وخذلني مرتين!!). مر بظروف منعته من السفر لسنوات فصار من حظي أن أرافقه في السفرة الأولى وتكررت السفرات ومن خلالها كنت أسأله متى يمكن أن نرى شيئاً من إنتاجك بين دفتي كتاب فكان يتعلل ويدعي بالكسل.. اتصلت بابنه رياض فبعث لي بكرتون ضخم يجمع عدداً كبيراً من مقالاته ومحاضراته ومقابلاته مع صور خاصة وعامة، كان هذا في حدود عام 2000 م، وبدأت أفرز وأرتب وأختار. أخذتها معي للقاهرة وبدأت مع فرع دار المريخ بالقاهرة للصديق عبدالله الماجد وتم إنجاز الكتاب بجزأيه (محمد العلي شاعراً ومفكراً .. مختارات) والثاني (محمد العلي دراسات وشهادات) 1426 هـ / 2005 م. واستمر الانجاز والاعداد والطباعة لسنوات وكان أبو عادل يحضر أثناء إقامة معرض الكتاب بالقاهرة ويساعد في تصحيح التجارب الطباعية وبالذات القصائد وتم العمل. وامعاناً في غضبي منه عتبي الشديد عليه، وضعت اسم زوجتي عزيزة فتح الله على الغلاف بدلا من اسمي. صحيح أن زوجتي عزيزة لها جهد مذكور في إنجازه مثل تفريغ محاضرته (الحس الاجتماعي في الشعر العربي) التي القاها بمكتب رعاية الشباب بالأحساء 1997 م وغيرها ومتابعة الطباعة. أنجز الكتاب وفرح به وحضر ولادته وأخذ معه عشرين نسخة في العودة للمملكة. ما زالت علاقتنا ولله الحمد على خير ما يرام، وأنجزت مع الصديق محمد الهلال عام 2022 م كتاباً آخر (هل هذا أنا؟ محمد العلي فتى اللغة والثقافة) هو من اختار عنوانه. وقبل الكتاب الأخير بدأ محبو العلي بإصدار أعمال من إنتاجه أذكر منهم: محمد الشقاق وحمزة الحمود وعلي الدميني، وأحمد العلي ونادي المنطقة الشرقية الأدبي.. وله مؤلفات عديدة في الشعر والفكر والأدب يمكن ذكرها هنا: وقد وجدت في كتاب (كلمات مائية) مجموعة مقالات الأستاذ محمد العلي الذي أعده الأستاذان محمد بن عبد الوهاب الشقاق وحمزة حسين الحمود، الصادر من دار الانتشار بلبنان عام 2008.  ورد مقال في الصفحة 127 بعنوان (مواصلة الاتجاه) نجتزء منه قوله: ما الذي دعاني إلى هذا الكلام ؟ 1- دعاني ما نشر وما ينشر عني - أحياناً - من أقوال فيها تقويم لأحد الشعراء.. هذه الأقوال التي أمليها عبر الهاتف، ويقوم المحرر بصوغها صوغاً قد يكون مخالفاً لما أعنيه وأقصده، حدث هذا حين قلت: «قصيدتي هذه في الموضوع المحدد أكثر شعرية من قصيدة الجواهري في نفس ذلك الموضوع المحدد» فراح المحرر يقول: «إني أزعم بأني أشعر من الجواهري».  الجواهري الذي يقول: أنا العراق لساني قلبه ودمي فراته وكياني منه أشطار يزعم فرد ما أنه أشعر منه، أي أشعر من العراق كله.. من جلجامش حتى السياب.. وهل يمكن أن يكون هناك هذيان وهراء مثل هذا ؟!!  2- دعاني ما نشر في الحياة من أنني أقول: «إن الشاعر الثبيتي والشاعر الصيخان لا يحملان قضية»، فأنا لم أقل هذا.. قلت «أتمنى أن يستمرا في العطاء كما استمر على الدميني في حمل قضيته» والفرق بين القولين شامع.  إنني أقدر بلا حدود موهبة الثبيتي والصيخان الشعرية وخصب عطائهما.. وقد نوهت بذلك أكثر من مرة.. ولا أنسى أبداً أن الصيخان كان أول من أعادني إلى الكتابة بعد أن منعت منها زمناً طويلاً وكان ذلك موقفاً شجاعاً نادراً…الخ»  والآن وهو يقارب 95 من عمره ما زال يكتب وما زال في حيويته وتألقه. أتمنى له المزيد من العطاء والمزيد من العمر والصحة والعافية. محمد العلي .. إضافة واعتذار سبق أن نشر لي مقال بمجلة الجوبة بالجوف العدد 90 شتاء 2025م تحت عنوان : ( محمد العلي والقسم الحائر ) اشرت فيه الى مقابلة صحفية مع فؤاد نصرالله نشرتها مجلة اليمامة قبل نحو 30 عاماً. وأعادت نشرها مؤسسة اليمامة الصحفية بكتاب (بداية المشوار) 1440هـ. ص 316 ــ 322 ــ كنوزاليمامة ــ الكنز 6. وعند سؤاله عن شعراء الخمسينيات بالعراق حيث كان يدرس هناك قال أنه شارك بمناسبة ذكرى مولد الإمام الحسين في أمسية شارك بها عدد من مشاهير الشعراء بالعراق. وقد اختار الصحفي عنواناً مثيراً للمقابلة هو: (في النجف هزمت كل العمالقة، ولو واصلت مشواري الشعري لتفوقت على الجواهري) وغيرها من العناوين المثيرة التي لم يقلها.. فقد تكون من باب الإثارة الصحفية. ولفت النظر. وبعد نشر المقال بمجلة الجوبة نبهني الصديق علي بن محمد العلي بأن الوالد سبق أن كتب في زاويته (كلمات مائية) يرد فيها على ما ورد بأنه أشعر من الجواهري. وأعيد نشر المقال في كتاب (كلمات مائية) لمحمد الشقاق وحمزة الحمود من دار الانتشار ببيروت عام 2000 بعنوان (مواصلة المشوار) وقد اضفت الجزء الخاص بالموضوع في آخر المقال .. توضيحاً واستدراكاً واعتذاراً لعدم اطلاعي من قبل عن المقال التوضيحي .