التأمين الطبي.. كي لا يفقد إنسانيته.
في سياق التقدم الحضاري وتعقد علاقات الحياة برزت الحاجة إلى تكاتف الإنسانية، ليتحوّل الإنسان أمام الأحداث والنوائب من الهزيمة النهائية إلى المواجهة والنهوض. فابتكرت البشرية “التأمين” كواحدٍ من أبرز المنجزات الحضارية. حيث لم يَعُد الناس فُرادى أمام صروف الدهر، بل يتكاتفون في مواجهة الصدمات. إن التأمين لا يقوم على إنكار الخطر، بل على الاعتراف به. ولا يملك التحكم في الحدث، بل يستطيع تخفيف نتائجه. وهنا يصبح التأمين ممارسة إنسانية للأخذ بالأسباب المشروعة، لا عنادًا مع القدر. التأمين في جوهره، ليس منتجًا ماليًا فحسب، بل تشَكُلٌ حضاري للحياة المشتركة. ونداءٌ عالٍ يقول لا ينبغي للمجتمعات أن تَتْرُك أفرادها أسرى لحوادث العصر وتقلباته. غير أن هذا المنجز الحضاري قد يتعثر قبل تحقيق الهدف، وذلك حين يصبح المريض وحده أمام تعقيدات وثيقة التأمين واستحقاقات الموافقة عليها. تحتضن المملكة العربية السعودية شركات تأمين ذات خبرة قانونية ثرية، وملاءة مالية عالية، تقدم خدمات التأمين بكافة مجالاتها على نطاقٍ واسع، ومن تلك المجالات “التأمين الطبي” الذي هو محور هذا المقال. في الجهة المقابلة هناك أفراد يعوزهم الفهم الحقوقي لشروط وثائق التأمين. وهنا تتحول هذه الوثائق – في حالات كثيرة – إلى مصدر شعور بالغبن. ففي المستشفيات يعاني الأطباء الأمَرَّين إزاء بطء بعض شركات التأمين في الاستجابة لحاجة المريض. كما أن هناك تشدد في موافقة شركات التأمين على صرف أنواع من الأدوية والأجهزة ولو كانت بالغة الأهمية لصحة المريض ولحالته النفسية. وقد يتأخر العلاج لساعات طويلة أو لأيام، بسبب تأخر استجابة شركة التأمين التي تخضع عادةً لقناعة طبيب تستعين به الشركة قد لا يكون متخصصًا في نفس الحالة المرضية التي تُعرض عليه. حين تكون شركة التأمين حكمًا في تفسير وثيقة التأمين، ومستفيدًا من تقليل فاتورة العلاج فإننا نكون أمام حالة من تعارض المصالح، مما يعرض الفلسفة الأخلاقية للتأمين للتآكل، ويتحوّل العقد من أداة طمأنينة إلى مصدر تدافع وخصومة. إن عميل الشركة يشعر أحيانًا بالغبن لأنه “مُؤمِّن”، وفي المقابل تتجه شركة التأمين نحو التشدد بحكم أنها ربحية. وفي غياب وسيط مهني، تتسع الفجوة، ويتحوّل التأمين الطبي من تضامن اجتماعي إلى تدافع للمسؤوليات. الحل لا يكمن في إلغاء التأمين الطبي، ولا مطالبة الأفراد مسؤولية الفهم الكامل لتعقيداته، بل في استحداث كيان مستقل، ليكون وسيطًا أخلاقيًا، وأمينًا قويًا، وممثّلًا لمصلحة المُؤَمَّنِ عليه. بحيث يتولى هذا الكيان – المقترح - تمثيل حملة وثائق التأمين في حال المرض والإصابة، والتواصل مع شركة التأمين، والحؤول دون التعسف في تفسير البنود. يمكن تأسيس هذا الكيان كذراع مستقل تحت إشراف “هيئة التأمين” وخاضعًا لحوكمة صارمة. على غرار مؤسسة مناصرة المرضى (Patient Advocate Foundation) في الولايات المتحدة، الأمريكية، وهي جهة مستقلة تمثل المرضى أمام شركات التأمين. ومتابعة الموافقات والاعتراضات، وتدافع عن حقوقهم عند النزاع. فحينما يشعر المرضى أن هناك من يدافع عن حقوقهم ويفسّر العقود بإنصاف وعدالة فإن آلامهم سوف تخف، ومعاناة الأطباء في المستشفيات، والعيادات سوف تنتهي حيث يمضي هؤلاء وقتًا طويلًا في التواصل مع شركات التأمين، بالرغم أن هذا ليس دورهم، لكنه شعور إنساني رفيع بمسؤولياتهم الأخلاقية. والتزامًا بالقسم الأخلاقي للأطباء المسمى “إعلان جنيف” الذي أطلقته الجمعية الطبية العالمية (WMA Declaration of Geneva) في عام 1948م ليستعيد التأمين الطبي رسالته الإنسانية، ويقوم بدوره النفسي والاجتماعي. كما يحد من البنود الرمادية، وعقود الإذعان في وثائق التأمين الطبي. ليقف الكيان المأمول إلى جانب شقيقته الكبرى “شركة نجم لخدمات التأمين” التي أثبتت نجاحًا باهرًا في تقدير حوادث المرور بمهنية عالية. كل ذلك حتى لا يتحول التأمين الطبي من وسيلة طمأنينة إلى أداة خصومة، ومن عقد تضامن إلى علاقة مرتبكة تجعل التأمين يفقد إنسانيته. فالتأمين في صورته الأرقى ليس التزامًا بالتعويض فحسب، بل وعدٌ بالمناصرة وعدم التخلّي.