كلما ذكرت الحدود التي قسمت العالم العربي إلى دول كل منها مستقل عن الآخر ذكرت معها سايكس- بيكو، والاسمان لدبلوماسيين أحدهما إنجليزي، والآخر فرنسي التقيا للاتفاق على اقتسام تركة الدولة العثمانية، وقد تمخض عن مجموعة من لقاءاتهما رسم خرائط المنطقة، لم تكن أي من هذه الخرائط ثابته، وإنما تعرضت لتغييرات تعكس مصالح القوى العظمى آنذاك، أي فرنسا وبريطانيا ومعهما روسيا القيصرية في أول الأمر، ثم أمريكا بعد أن أعلنت بدخولها الحرب العالمية الأولى عن قوتها البازغة. المؤلف فواز طرابلسي أصدر هذا الكتاب عام ٢٠١٨، أي بحلول العام المئة تقريبا على هذه الاتفاقيات، استأثرت المراجع التي صدرت في نصف القرن الماضي بثلثي عدد المراجع التي عاد إليها الكاتب، مما يعني أن معلومات الكتاب مُحدثة أو تم الكشف عنها بعد وقت طويل من حدوثها. ومن هنا كانت أهمية الكتاب. لم تكن خرائط سايكس - بيكو هي الخرائط النهائية فقد أجري عليها تعديلات فيما تلاها من مؤتمرات خلال وأثناء وبعد الحرب العالمية الأولى. ولكن بقي اسم مارك سايكس البريطاني علما على كل ذلك، ربما لأنه وضع خطأ على الرمال يقسم ممتلكات تركيا في الشرق الأوسط بخط يمتد من عكا في فلسطين إلى كركوك في العراق، ولكن الاتفاقية الأولى اعترض عليها كثيرون منهم البريطانيون أنفسهم، الخرائط الأولية أظهرت الدولة العربية التي كان متخيلا أن تمتد من الحجاز عبر بادية الشام ومعها أجزاء من سوريا تحت سلطة الشريف حسين، كذلك تخلت فرنسا عن تراقيا وكيليكيا إلى تركيا، كما انتهت الإدارة الدولية للقدس لتدخل تحت حكم الصهاينة، وانتقلت سيناء لتصبح مصرية، وبالتالي لم يبق من اتفاقات سايكس بيكو الأصلية شيء. أما إعلان بلفور فقد تعدل تفسيره باتجاه توسيع الحقوق الممنوحة فيها للمواطن القومي اليهودي، في خرق فاضح وواع لمنطق رغبات الأكثرية الذي قامت عليه مبادئ الرئيس الأمريكي نيلسون وأنظمة الانتداب. وتوالت عمليات الضم والفرز، نشأ العراق من ثلاث ولايات عثمانية سابقة في كيان واحد سمي بلاد الرافدين، وكان يسمى العراق العربي في العهد العثماني، وفُصلت فلسطين عن باقي سوريا، فتكونت من سنجق عكا ونابلس وسنجق القدس، ونشأت إمارة شرق الأردن بفصل الضفة الشرقية لنهر الأردن عن فلسطين الغربية، ونشأ “لبنان الكبير” بفصل أربعة أقضية من ولاية الشام وضمها مع أجزاء من ساحل ولاية بيروت إلى سنجق جبل لبنان. في ذلك العهد كثرت الاتفاقات السرية بين القوى المؤثرة، منها اتفاق القسطنطينية السري عام ١٩١٥، تعهدت حكومتا بريطانيا وفرنسا بمنح روسيا القيصرية المضائق البحرية الواقعة على الضفتين الأوروبية والٱسيوية لتركيا وكذلك بحر مرمرة وإسطنبول ومنطقة تراقيا وقسم من الأناضول، لكن هزيمة الحلفاء في غاليبولي على يد القوات التركية، وكذلك تغيير توجهات روسيا بعد الثورة البلشفية، وأشياء أخرى أنهت الموضوع. رغم أن شريف مكة كان هو المبادر بالاتصال بالدوائر البريطانية في القاهرة ، إلا أن البريطانيين لم يهتموا باتصالاته في البداية، ولكن دعوة السلطان محمد الرابع العثماني إلى الجهاد، نبهت بريطانيا إلى خطر استجابة مسلمي الهند له، ووجدت أن العمل على إيجاد خلافة عربية برئاسة أحد الأشراف، تحت النفوذ البريطاني كفيلة بالقضاء على دعوة الجهاد وتسهيل تجنيد الهنود في الجيش البريطاني خلال الحرب، وهنا بدأت في الاهتمام بالعلاقات مع الحسين، وبوعود غير واضحة فهم الحسين منها أنه سيكون خليفة على دولة تضم معظم الدول العربية في آسيا، وهنا قام الحسين بما سُمي بالثورة العربية الكبرى، وبوصول لورانس إلى الحجاز تم انشاء الجيش العربي الذي أخرج العثمانيين من الحجاز ودعم الحملة العسكرية الإنجليزية التى تصدت للحملة التركية على قناة السويس، أخذت القوات البريطانية بالتقدم في سيناء وحاصرت غزة في مارس ١٩١٧ ، ولكنها تكبدت خسائر جسيمة، وهنا قرر ٱرشيبالد مراي قائد الحملة البريطانية استخدام الغازات السامة ضد المدافعين عن غزة وهذه هى أول مرة في التاريخ يستخدم فيها الغاز السام في حروب المشرق، ولكن دون جدوى، بل خسرت الحملة البريطانية ستة آلاف قتيل أي ثلاثة أضعاف ما خسره العثمانيون، قررت السلطات البرلمانية تعيين الجنرال اللنبي قائدا للحملة، بعدها تمكنت الحملة من الاستيلاء على القدس. اللافت للنظر عدد المسلمين الذين شاركوا في الحرب مع جيوش الحلفاء، شارك ١٫٣ مليون مسلم من روسيا، ٤٠٠ ألف من مسلمي الهند، ٢٠٠ ألف من الجزائر، عشرة آلاف من كل من تونس والمغرب، وخمسة آلاف من الصومال وليبيا، ومئة ألف مسلم من جنوب أفريقيا، وخدم في الأعمال الحربية إلى جانب الحلفاء ١٠٠ ألف عامل مصري ، و ١٣٠ ألف عامل مغربي و ٢٠٠ ألف عامل من جنوب الصحراء الأفريقية، بينما تم تقديم بلادهم هدية الدول المنتدبة. دخلت قوات الحلفاء بما فيها القوات العربية مدينة دمشق في أوائل أكتوبر ١٩١٨م ، وصل إليها اللنبي القائد البريطاني وتبعه فيصل بن الحسين، والتقى جيش اللنبي بأكثرية أفراده من المسلمين الهنود والمصريين في دمشق بالجيش العربي . كان هذا الانتصار تعويضا لبريطانيا عن هزيمتها في الدردنيل ( غاليبولي) والهزيمة المذلة لجيشها في كوت العراق عام ١٩١٦ على يد القوات التركية . أبلغ اللنبى فيصلا أن سوريا ستكون تحت حكم فرنسا ، ولكن إدارتها ستكون لفيصل بن الحسين عدا لبنان وفلسطين وباقي الساحل حتى اسكندرونه، وطلب منه إنزال الأعلام العربية عن بيروت، كما أبلغه بأحدث ما توصل إليه الطرفان، إذ أعادا تعريف الأهداف الحربية للبلدين فأصبحت: “التحرر الكامل لشعوب المنطقة التي طال اضطهادها من الأتراك وإنشاء حكومات محلية تستمد سلطتها من مبادرة السكان المحليين ومن اختيارهم الحر” ، يصف الكاتب البيان أنه من أبدع النصوص في النفاق الاستعماري، وعليه قام فيصل بن الحسين بإلغاء جيش الثورة العربية- المكون من قوات بدوية وبعض الضباط العرب الذين انشقوا عن الجيش التركي- لأجل بناء جيش نظامي . خلال ما تلا من عامين عُقد مؤتمر الصلح في باريس وقد افادت منه المنظمات الصهيونية أيما فائدة، واضطر فيصل بن الحسين إلى تقديم مجموعة من التنازلات أملا في الاحتفاظ بالمملكة العربية السورية ، انسحبت قوات بريطانيا من سوريا لتعطي السلطة لفرنسا حسب الاتفاق ، أكدت تقارير الاستخبارات البريطانية أنه لو قام فيصل بانتفاضة مسلحة فلن تكون القوة البريطانية في سوريا قادرة على قمعها ، استجاب فيصل لطلب غورو قائد القوات الفرنسية ، فسرح الجيش العربي الذي كان قوامه ستة آلاف رجل، ولكنه استجاب لضغوط الأهالي فخرج عسكر عربي بقيادة وزير الدفاع يوسف العظمة ، قوامه بعض الجنود الذين جُمعوا علي عجل ومعهم أفراد الحرس الفيصلي من اليمانيين ، لم يكن هنالك أي تكافؤ فسرعان ما سحقهم الجيش الفرنسي ، وانتهت المملكة العربية السورية. بعد أسبوع من فتح دمشق طلبت تركيا السلام ووقع السلطان محمد اتفاقا سريا يضع السلطنة تحت الإنتداب البريطاني. دخلت قوات الحلفاء تركيا، وشرعت في تقسيمها ، وهنا أعلن لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا، أن قواته هي التي قادت عمليا جنود الحلفاء إلى النصر في الجبهة الشرقية منفردة، ولذا تم الاتفاق بأن يكون لها الانتداب على أرض الرافدين مع ضمها الموصل التي كانت ستتبع سوريا في الاتفاقات الأولية، وكذلك على فلسطين. في مؤتمر سيفر فُرضت مجموعة من الإجراءات على تركيا تجعلها منتَدبة كباقي الدول العربية، رفض الأتراك وبدأوا حرب الاستقلال التي دامت حوالي أربع سنوات وقادها أتاتورك، استطاعت طرد القوات الفرنسية واليونانية والأرمنية ، فعُقد مؤتمر لوزان الذي وافق على استقلال تركيا بحدودها الحالية دون تقسيم، مقابل تخليها عن أملاك الخلافة العثمانية خارج تركيا ، مع ضمان حرية الملاحة في المضايق البحرية التركية. تحليل ذلك أن القوى الاستعمارية لو قبلت بالمزيد من الضحايا لاستعادت السيطرة على تركيا ، ولكن إلغاء الخلافة وإعلان تخليها عن الدول العربية، جعل الثورات العربية ضد الانتدابات الأجنبية متفرقة لا تجمعها مرجعية واحدة- وكانت ثورات كثيرة وكبيرة - بعد اختفاء الخلافة العثمانية مرجعيتها السابقة. ثورة العشرين في العراق كلف إخمادها الخزينة البريطانية أكثر مما كلفتها الثورة العربية كلها ، وهنا قرر تشرشل استخدام الطيران الحربي بكثافة ضد المدنيين ، كما قرر إنتاج غاز الخردل السام ليستخدم في القصف الجوي ضد المدنيين. فقد استًخدمت الغازات السامة البريطانية في قمع ثورات الأكراد ( قبل استخدام صدام حسين لها بسبعين عاما)، وقمع ثورات الآشوريين، و في الدفاع عن عرش الأمير عبدالله بن الحسين في نزاعه الحدودي مع قوات الملك عبدالعزيز السعودية، وفي قمع الثورة الفلسطينية الكبرى بين في عام 1936. ازداد اهتمام بريطانيا بفلسطين عندما استولت على قناة السويس، موقع فلسطين يمكن أيا ممن يحكمها من تهديد قناة السويس، خاصة وأن فرنسا كانت تطمع في السيطرة على ما كانت تسميه “ سوريا تامة” و لروسيا القيصرية أطماع في فلسطين، لأن موسكو تعتبر نفسها حامية المسيحية الأرثوذوكسية في العالم، ومع تصاعد التأثير اليهودي وصل الأمر إلى “ وعد بلفور”. أخطر ما جاء في الوعد هو نزع حق الشعب الفلسطيني في الدولة والاستقلال وتقرير المصير من خلال الإشارة إليهم بـ”الجماعات غير اليهودية” يعنى منح اليهود صفة الشعب وهم أقل من ١٠٪ من السكان بينما حُرم باقى السكان من كافة الحقوق، فرنسا بمنطق حماية الأقليات تريد استعمار سوريا، وبريطانيا بحجة حقوق الأقلية اليهودية تستعمر فلسطين، وها هي لم تذكر في الوعد “دولة يهودية” بل “وطن قومي” لليهود ليفهم العالم أنه لن يكون في فلسطين غير دولة واحدة هي بريطانيا. هذه السابقة الخطيرة من بريطانيا تبعها جهد صهيوني للتوسع أرضا ومفهوما لتستكمل حرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه، وذلك بإسقاط “ الديمقراطية” من تعريف دولة اسرائيل، وهذا يزيل أي شبهة للمساواة السياسية والقانونية بين اليهود والعرب، وتأكيد التفوق العرقي بلا لبس من خلال تشريع يهودية الدولة. يخلص الكاتب إلى تأكيد ما وصل إليه المؤرخ يوجين روغان “ في الظاهر بدأ أن بلفور كان يقدم فلسطين إلى الحركة الصهيونية، وفي الحقيقة كانت حكومة لويد جورج تستخدم الصهاينة من أجل تأمين الحكم البريطاني لفلسطين” كتاب مهم يُقرأ أكثر من مرة ، وقد أجاد الكاتب خصوصا في عناوينه الجانبية التي كانت تضيء النص ببراعة.