القصيدة المرفوضة!
أتفهّم رفض قصيدة النثر استنادا إلى المألوف من معيارية الشعر في التراث العربي القديم؛لكني لا أفهم ولا أتفهّم الانقضاض بعدائية وسلبية على من يعتدّ بهذا الجنس الأدبي، فالأمر لا يعدو كونه رأيا نقديا ناتجا عن رؤية هي الأخرى ناتجة عن تراكم قرائي وذوق خالص. لا أدري لماذا بمجرد ما تنطق قصيدة نثـ ...، يهجم عليك عشرات من المتابعين، قبل أن تنطق حرف الراء؟ يفترض في الأمور الذوقية كهذه أن يتسع مجال التسامح والقبول فلا يؤخذ الأمر بغلظة؛ بل بنقاش يصل إلى تخوم الشعر ومذاقاته المختلفة في التجربة الفنية والإنسانية، فإنه كلما اتسع مجال التداول الشعري عاد ذلك على الشعراء بما يضيف إلى تجاربهم ويجعلها أقرب إلى ملامحهم الشخصية وتفاصيل حياتهم اليومية؛ بدلا من الانغراس في شكل النمط الواحد والقوالب الجاهزة التي قد تضيّق مساحة الحركة وتجعل اللغة غير مطواعة ولا قابلة لروح الشعر. إن شعراء النثر، أو نثراء الشعر، يمنحوننا مساحات جديدة من النظر في اليومي، كما أن قصيدة النثر بما تنطوي عليه من نثرية سيالة قادرة على أن تنسرب في التفاصيل، وأن تدخل مع شقوق الجدران وثقوب الأبواب، وأن تنفذ إلى الفرش والوسائد والأغطية، فالوقوف ضدها ميلا إلى الوزن والقافية فحسب، سلوك غير فني وجلافة ذوقية تريد أن تغترف كل شيء بالمجرفة. ثم إن القسمة المنطقية بين الأجناس الأدبية، كثنائية شعر ونثر قسمة عقلية، والشعر بطبيعته ضد العقل المنطقي؛ فطاقته التخييلية تسمح بالمزج بين النقيضين، وتفسح للتركيب بين المتضادّين، هذا فضلا عن بداهة التقاء النهرين في نهاية المطاف في مصّب واحد، هو مصبّ الشعرية العالية التي لا تحدّها القيود والحدود. إن شعرية الأشياء تحتّم علينا أن نفسح لقصيدة النثر في المجلس، فثمة تفاصيل صغيرة وأدوات وتحف وطرف ومفارقات حياتية لا تحتمل نبرة الإيقاع العالية ولا تصلح لها القوافي الجزلة والمطالع والمقاطع، فنقلها إلى التجربة الشعورية والوجدانية لا يكون إلا بالانتساب إلى جنس الشعر من جهة وإلى جنس النثر من جهة أخرى، في تركيب مفارق ليس معيار قبوله العقل، بل الذوق، والذوق أرحب وأوسع من أن يحدّه تعريف منطقي أو تصنيف عقلي صارم.