سنة الصخونة وأخواتها.

حلّ وباء ما سُمّي عالمياً “بالأنفلونزا الأسبانية”، أو ما عُرف في “نجد” “بسنة الصخونة أو الرحمة” في عام 1337هجرية - 1919ميلادية، وقد بدأت حالات الإصابة بهذا الوباء في ولاية “كانساس” الأمريكية، ثم انتقل عن طريق المسافرين البحّارة إلى “أوروبا”، وبدأ الانتشار السريع على جبهات وثكنات الجنود المقاتلين، في السنة الأخيرة من الحرب العالمية الأولى. لقد قضى هذا الوباء قبل انحساره، بعد ثلاثة أشهر من ظهوره، على ما يقرب من 50 إلى 100 مليون إنسان حول العالم، أي ما يُعادل ضعف عدد قتلى هذه الحرب العالمية! وبعد مائة عام من سنة الصخونة، في عام 2019، بدأ انتشار وباء (كورونا أو كوفيد-19)، وأودى بحياة أكثر من سبعة ملايين إنسان. لقد كان سُكّان كلّ قُطرٍ من الأقطار، قبل أن يُعرف اللّقاح الواقي ضد الأوبئة السارية الفتّاكة، مُعرَّضين في كلّ جائحة إلى ما يٌشبه الفناء التّام؛ من جرّاء انتشار الوباء الذي لا يُقاوَم ولا يُصَدّ. ولقد كان الرّعب والذهول الذي يستولي على الناس في أثناء حدوث أول إصابة بالطاعون في ذلك الزمان، ما لا يستطيع أن يتصوّره إنسان ذلك اليوم. ولم تكن تلك الأوبئة المروّعة منذ عام 1270 هجرية - 1854 ميلادية نادرة الوقوع، بل كانت تحدث في كلّ بضعة أعوام تقريباً، وليس ما عرفنا منها هو كلّ ما حدث، بل إن هنالك الشيء الكثير مما لم يُسجّله التاريخ ولم ينقله الرواة إلينا، فالمؤرّخون في خلال الثلاثمائة سنة الماضية كانوا قِلّة، ولم يقع تحت أيدينا من كتاباتهم أو تدوينهم إلا النزر اليسير الذي لا يفي بالغرض. ومن هؤلاء المؤرّخين الشيخ “عثمان بن بشر” رحمه الله، الذي تطرق في كتابه “عنوان المجد في تاريخ نجد” إلى ذِكر بعض حوادث انتشار بعض تلك الأوبئة في نجد وما حولها من الديار. ذكر “ابن بشر” أنه في عام 1187 هجرية - 1773 ميلادية، تفشّى في “البصرة” طاعون مُريع أباد أكثر أهله، فكانت ألأبنية فيها مٌعطّلة إلا من القليل من السكّان ممن تخطّاهم المرض، وقيل أنه مات من أهلها 350 ألفاً، ومن أهل مدينة “الزبير” ستة آلاف نسمة. وفي عام 1236 هجرية - 1820 ميلادية قدّمت “الهند” للبحرين هديّة من أفتك الهدايا، إذا صحّ التعبير، هذه الهديّة هي وباء “الكوليرا”، فوزّعتها البحرين على البلاد المجاورة، كنجدٍ والعراق.. وجاء في كتاب “عنوان المجد” بهذا الصدد ما يلي: “وفي هذه السنة حدث الوباء العظيم، الذي عمّ الدنيا وأفنى الخلائق في جميع الآفاق، وكان أول حدوثه في ناحية الهند، فسار منه إلى البحرين والقطيف، وفني بسببه خلائق عظيمة، ثم وقع في “الأحساء” و”البصرة” و”العجم” وغيرها”. أما الطاعون عام 1247 هجرية - 1831 ميلادية، فكان من أفظع ما عرفه العراقيون والكويتيون والنجديون، حيث كان وباءً كاسحاً أفنى أكثر سكّان هذه المناطق.. وقد ظهرت أولى الإصابات بهذا الطاعون في مدينة “تبريز”؛ إحدى مقاطعات “إيران”. ويقول عنه مؤلّف كتاب “عنوان المجد”: “وفي هذه السنة وقع الطاعون العظيم، الذي عمّ العراق والسواد والبصرة والزبير والكويت وما حولها، وليس هذا مثل الوباء الذي قبله -يقصد وباء الكوليرا-.. وفي هذا الطاعون توفي الشاعر الكبير “محمد بن حمد بن لعبون” رحمه الله في الكويت. إن مثل هذه الأوبئة، بشاء العلي القدير سبحانه وتعالى فيتلاشى المرض شيئاً فشيئاً حتى يختفي، وإذ الناس الأحياء من البلدان الموبوءة لا يجدون حولهم من يمُتّ إليهم بِصِلَة القرابة إلا النادر القليل، ويتنفّس شاعرهم النبطي الصُّعداء، ولعله المُلّا “سعود بن صقر”، حين ينظر حوله ويرى ما حلّ بالكويت من أهوال، ويتلفّت يمنة ويسرة، ويجد الأرض كما كانت ولكنه لا يجد الأهل والأصحاب والأحباب، فتذرف عيناه ويشرق بالدمع، ثم يرفع عقيرته متألّماً، ليُنفّس عما في فؤاده من الكآبة والحزن، فيقول: شفنا المنازل مثل دوي الفضا عقب السكن صارت خلايا مخاريب وا حسرتي ليمن طرا لي ما مضى عصر(ن) يذكّرني الأهل والأصاحيب