البودكاست في المشهد الأدبي والثقافي..

توسّع في الصوت أم تراجع في المعنى؟

شهد المجال الأدبي والثقافي في السنوات الأخيرة صعودًا لافتًا للبودكاست بوصفه وسيطًا إعلاميًا جديدًا، جذب جمهورًا واسعًا، وخصوصًا من الأجيال الشابة التي ابتعدت عن الصحافة الثقافية الورقية، غير أن هذا الانتشار يفرض سؤالًا جوهريًا لا يمكن تجاوزه: هل خدم البودكاست الثقافة والأدب فعلًا، أم أعاد إنتاجهما في صورة أكثر تسطيحًا؟ لا شك أن البودكاست نجح في كسر مركزية النخب الثقافية، وفتح النقاش الأدبي أمام جمهور لم يكن ليقرأ الملاحق الثقافية أو الدراسات النقدية المطوّلة ، كما أعاد الاعتبار للشفاهية، وهي عنصر متجذّر في الثقافة العربية، وأتاح مساحات حرة خارج القيود التحريرية الصارمة للمؤسسات الإعلامية التقليدية ، من هذه الزاوية، يمكن القول إن البودكاست وسّع دائرة الوصول، وخلق علاقة أكثر حميمية بين المتلقي والكاتب أو الناقد. غير أن هذا “الانتشار” يخفي إشكاليات بنيوية ، فمعظم «البودكاستات « الأدبية الأكثر حضورًا لا تقوم على تحليل نصي جاد أو مساءلة فكرية معمّقة، بل على السرد السلس والانطباعات الشخصية، وتحويل الكاتب أو العمل الأدبي إلى مادة قصصية مسموعة ، هنا يتحوّل الأدب من نصّ معقّد إلى منتج استهلاكي، تُقدَّم قيمته من خلال سهولة التلقي لا من خلال عمق الفكرة. الوصول الواسع، في هذه الحالة، لا يعني بالضرورة إثراءً ثقافيًا، بل قد يكون إعادة إنتاج للسطحية في قالب جذاب. تتضاعف هذه الإشكالية حين نربط البودكاست باقتصاد المنصات الرقمية. فالخوارزميات لا تكافئ التفكير النقدي، بل تكافئ القابلية للمشاركة وسرعة الاستهلاك ، الصوت الجيد، والكاريزما، والقدرة على «الحكي « أصبحت في أحيان كثيرة أهم من المعرفة المنهجية؛ وبهذا المعنى، لم يحرّر البودكاست الثقافة من سلطوية المؤسسات، بل أخضعها لمنطق السوق . أما السؤال المتكرر حول ما إذا كان البودكاست قد فرض نفسه كبديل للصحافة الثقافية التقليدية، فالإجابة الدقيقة هي: لا. الصحافة الثقافية تقوم على التراكم، والتحرير، والتوثيق، وبناء الأرشيف النقدي، وهي وظائف لا يعوّضها وسيط يعتمد أساسًا على الصوت والرأي الفردي ، البودكاست ليس بديلًا، بل نتيجة فراغ خلّفته الصحافة حين همّشت الثقافة أو تخلّت عنها. يبقى السؤال الأهم: ما المسؤولية الثقافية لصنّاع البودكاست الأدبي؟ الرهان الحقيقي لا يكمن في عدد المستمعين، بل في القدرة على ربط الصوت بالنص، والحكاية بالسياق، والمتعة بالتحليل ، فالبودكاست يمكن أن يكون جسرًا إلى القراءة، لا بديلاً عنها، إذا تحرّر من وهم أنه “ثقافة مكتملة” واكتفى بدوره كوسيط. الخلاصة أن البودكاست أداة قوية، لكنها خطرة حين تُترك بلا وعي نقدي. إما أن يكون مدخلًا للأدب، أو أن يتحول إلى ضجيج ثقافي أنيق، يوسّع الصوت ويُفرغ المعنى!