حين يغدو الشعر تجربةً معيشة حَيّة،

إشراقات من أمسيات شعرية سعودية-مصرية.

(إلى الأصدقاء الشعراء في خيمة المتنبي، ومنتدى “قبس” الذين جعلوا النظر إلى الحياة فعلاً شعرياً). حين تحضر محفلاً أدبياً خارج وطنك، لا تدخل بوصفك فرداً يقول «أنا»، بل تدخل بوصفك جمعاً يسير على قدمين. تصبح ملامحك امتداداً لوجوه كثيرة، وصوتك صدى لمشهدٍ ثقافيّ كامل. وحين تكون ضمن فريق أدبي، لا تبدو الكلمات منفردة، بل تتحوّل إلى موكبٍ متوهّج، استعراضٍ صامت لما أنتم عليه، لا لما تقولونه فقط. وفي هذا الاحتشاد الرمزي، لم تكن الأفكار تُختبر بوصفها معاني مجرّدة، بل بوصفها أفعالاً حيّة؛ تتجسّد في أجساد شعراء رافقهم؛ في إيماءاتهم، ونبرات أصواتهم، وفي حضورهم الإنساني الذي يسبق القصيدة ويمهّد لها، فيصبح القائل جزءاً من القول، لا وسيطاً عنه. ومن هنا، ربما، تتجلّى مشكلتي القديمة مع الإبداع - إن جاز أن أسمّيها مشكلة - بوصفها امتداداً طبيعياً لهذا الفهم. فأنا كائنٌ حسّي، لا أطمئنّ كثيراً لما لا أراه أو ألمسه أو أتخيّله مجسّداً. الموسيقى، مهما أبهرتني، لا تدخل أعماقي عاريةً من الكلمات؛ تطربني، نعم، لكنها لا تمكث طويلاً إلا إذا جاءت مصحوبة بصوتٍ يشرحها، بجملةٍ تُمسك بيد اللحن وتدلّه عليّ. هكذا أفهم الأشياء؛ كمعادلةٍ رياضية لا أصدّقها إلا إذا خانت تجريدها قليلاً، وسرّبت معناها في هيئة استعارةٍ خفيفة: مجموع تفاحات تُمسك باليد، أو عدد فراشات تُغري بالملاحقة. وكقصيدةٍ لا أقرأها حقاً إلا حين أرى شاعرها واقفاً في الهامش؛ يلمّح لي بملامحه، بحركته، بارتباكه الخفيف الذي يكشف أكثر مما يقول. لا أقرأ طرفة بن العبد إلا وهو يلوّح لي من فوق ناقته، مستعرضاً حسنها، مأخوذاً بها، يجعلها سفينةً تشقّ الماء، ويده تقسم التراب كما لو أنها تعرفه منذ البدء: عَدَوليَّةٌ أَو مِن سَفينِ اِبنِ يامِنٍ يَجورُ بِها المَلّاحُ طَوراً وَيَهتَدي يَشُقُّ حَبابَ الماءِ حَيزومُها بِها كَما قَسَمَ التُربَ المُفايِلُ بِاليَدِ ولا أسمع جاسم الصحيح يتغنّى بالأحساء إلا وقد ارتسم أمامي الفلّاح: غترته الملتفّة تتدلّى كضفيرتي فتاة، ساعداه مكشوفتان، وثوبه ملوّن بخضرة الحقل، يصعد النخلة كما لو أنه يصعد ذاكرته، ويغازل العصافير بلا خجل: أُحِبُّكِ يا (أحساءُ) في كلِّ نظرةٍ إلى الحقلِ، صَلَّتْ بـي إمامًا ومُؤْتَـمَّا وصدري الذي لو ضَمَّ كلَّ جميلةٍ تَظَلُّ جذوعُ النخلِ أجملَ ما ضَمَّا وكذلك في الواقع، لا في المجاز وحده، سافرتُ مع شعراء حملوا ذواتهم كما هي، من دون أقنعة. مع ناجي حرابة، الذي لم يصطحبني إلى ديوانه “سفر في الذوات”، بقدر ما اصطحبني إلى ذاته نفسها، مكشوفةً على الطريق. ومع عبد المجيد الموسوي، الذي حضرت روحه كاملة متوهجة في الرحلة، حتى بدا “شرود مؤجّل” مجرد ومضة عابرة أمام اتساع حضوره الإنساني. ومع إبراهيم الحاجي، لم أجد في “فزع البيدر” خوفاً، بقدر ما وجدت من طمأنينة تشبه الوقوف في ظلّ سنبلةٍ بعد حصاد وفير. أما إبراهيم بوشفيع، ففي “اسمع حفيف الملائكة” كنت أنصتُّ إلى هارمونيا كونية، كأن صوته يخرج من طبقة أعمق من اللغة، من مكان تُصغي فيه الروح إلى نفسها. وأما صاحب الضيافة، الشاعر الدكتور محمود جمعة، فقد كان الشعر عنده أخلاقاً تمشي، وشمائل تُرى، وتجسّداً حياً لمعنى أن يكون الإنسان قصيدةً قبل أن يكتبها. ومن هذا الحضور، انفتحت الأمسيات على شاعرية مصر نفسها؛ لا بوصفها تراثاً محفوظاً، بل طاقة حيّة تتدفّق في اللغة، وفي الإلقاء، وفي القدرة العجيبة على تحويل القصيدة إلى حالة مشاركة، لا إلى نص يُستمع إليه من بعيد. كان شعراء مصر الذين شاركونا الأمسيات يمتلكون تلك الخفّة العميقة، التي تجعل الشعر قريباً من القلب من دون أن يتنازل عن عمقه، ويجعل القصيدة مفهومة من دون أن تكون سهلة، ومؤثّرة من دون أن تستجدي التأثير. في أصواتهم، كانت اللغة تعرف طريقها إلى الناس، وفي قصائدهم، كان اليوميّ يلمع فجأةً بوصفه معنى، لا تفصيلاً عابراً. هكذا، لم تكن المشاركة الشعرية مجرّد تلاقٍ ثقافي، بل حوار حسّاس بين تجربتين، التقتا على محبة الشعر، واختلفتا بثراء الأسلوب، واتّفقتا على أن القصيدة حين تُعاش، تصبح وطناً مؤقّتاً للجميع. هكذا إذن، فقد كانت رحلتي المصرية الأخيرة، الاستثنائية، رحلةً في الشعر الحيّ. لم أجد الشعر هناك مكتوباً فقط، بل مُجسّداً في شخوص: في طريقة الكلام، في الإيماءة، في السخرية الخفيفة من ثقل الحياة، وفي القدرة العجيبة على تحويل اليوميّ إلى معنى. رأيت الشعر يمشي في الشارع، يجلس في المقهى، ويجادل في أبسط التفاصيل كما لو أنه يناقش الوجود كله. رافَقَني في تلك الرحلة سؤالٌ قديم عاد أكثر نضجاً: ما الشعر؟ أهو النص أم صانعه؟ أهو ما يُكتب أم ما يُعاش؟ وعدتُ.. لا سعيداً فقط، بل سكراناً، كما أراد بودلير. سكران بالشعر، بذلك السُّكر الذي لا يذهب، بل يترك أثره في النظر إلى الزمن نفسه. فليس الغرض أن نهرب من ثقل الوقت، بل أن نواجهه بسُكرٍ نبيل؛ بالشعر، أو بالفضيلة.. كما نشاء. أن نسأل الريح عن الساعة، والموجة، والنجم، والعصفور، وساعة الحائط.. فيأتينا الجواب واحداً، إنها ساعة السُّكر. الساعةُ الوحيدةُ التي لا نكون فيها عبيدًا للزمن، بل رفاقاً له؛ نمشي إلى جواره بخفّة، نتركه يمرّ كما يشاء، من دون أن يدهس قلوبنا أو يثقل أرواحنا. ساعةٌ نتحرّر فيها من الحساب، ونستعيد حقّنا في الدهشة، وفي أن يكون الوقت صديقاً لا سوطاً. لهؤلاء، للأصدقاء.. شعراء خيمة المتنبي وشعراء مصر، الذين لم يكتفوا بمشاركة القصيدة، بل فتحوا لنا المكان والوقت والقلب، واستضافونا كما يُستضاف المعنى حين يُؤمَن به. من دون تعداد أسماء، لأن الامتنان أوسع من الحصر، ولرئيس منتدى “قبس”، أهدي هذه اللحظة، وأترك قصيدة بودلير تمضي إليهم جميعاً، بوصفها تحيّة سُكرٍ نبيل، وشهادة عرفان لمن جعلوا الشعر بيتاً، والضيافة معنىً آخر للحياة: «لأبدَّ مِنَ السُّكرِ دَائِمًا. ذَلِكَ هُوَ كُلُّ شَيء: تِلكَ هِيَ القَضِيَّةُ الوَحِيدَة. فَحَتَّى يَنتَفِي الإِحسَاسُ بِالعِبءِ الرَّهِيبِ لِلزَمَنِ الذِي يَقصِمُ كَاهِلَكُم وَيُحِنِيكُم إِلَى الأرضِ، لأبُدَّ لَكُم مِنَ السُّكرِ بِلا هَوَادَة. لكِنْ، بِمَ؟ بِالخَمرِ، بِالشِّعْرِ أوِ الفَضِيلَة، كَمَا يَحلُو لكُم. لكِن، فَلتَسكَرُوا. وَإِذَا مَا أفَقْتُم أحيَانًا، وَقَد خَفُتَ السُّكرُ أو تَلاَشى، عَلَى دَرَجَاتِ سُلَّمِ قَصرٍ، أو عَلَى عُشبِ قَنَاةِ أخضَرَ، في الوِحدَةِ الكَئِيبَةِ لِغُرفَتِكُم، فَلتَسأْلُوا الرّيحَ، وَالمَوَجَةَ، وَالنَّجمَ، وَالعُصفُورَ، وَسَاعَةَ الحَائِطِ، وكُلَّ مَا يَتَلاَشَى، وكُلَّ مَا يَتَأْلَمُ، وكُلَّ مَا يَدُورُ، وكُلَّ مَا يُغَنِّي، وكُلَّ مَا يَنطِقُ، اسألُوهُم مَا السَّاعَةُ الآن؛ وَلَسَوفَ تُجِيبُكُم الرِّيحُ، وَالمَوجَةُ، وَالنَّجِمُ، وَالعُصفُورُ، وَسَاعَةُ الحَائِطِ: “إِنَّهَا سَاعَةُ السُّكْرِ! فَحَتَّى لا نَكُونَ عَبِيدَ الزَّمَنِ الشُّهَدَاءَ، فَلتَسكَرُوا؛ فَلْتَسكَرُوا بِلاَ انتِهَاء! بِالخَمرِ، بِالشِّعْرِ أوِ الفَضِيلَةِ، كَمَا تُحِبُّون)).