بين رفق الشريعة وهوس «الأنسنة»..

هل ضللنا الطريق إلى الرحمة؟

في دهاليز المدنية الحديثة، طفت على السطح ظاهرة غريبة في أطوارها، مريبة في مبالغاتها؛ وهي ظاهرة “أنسنة الحيوان”، فبعد أن كانت القطط والكلاب كائنات تؤدي دورها الفطري في بيئتها الطبيعية وحول المنازل وفي حراسة المزارع والمواشي أو تستعمل في الصيد، استُجلبت اليوم لتزاحم الإنسان في غرف نومه، وتشاركه مائدة طعامه، بل وتُهدر على تجميلها وتدليلها وأدويتها أموالٌ لو وُجهت لجائع من بني البشر لأغنته، فهل خُلقنا حقًا لنكون “خدمًا” لحيوان أو لغرائز كائنات سخرها الله لنا؟ وأين يقع الحد الفاصل بين “الرحمة” المأمور بها شرعًا، وبين “الهوس المذموم” الذي يُهدر كرامة الإنسان قبل مالِه؟ إنها الفطرة الموؤودة التي جعلت الحيوان في ثوب إنسان. إن أولى حقائق الوجود هي أن الله استخلف الإنسان لعمارة الأرض، وجعل الحيوان مسخرًا له (منفعةً أو اعتبارًا) ليتفكر في خلقها، لا ليفني عمره وماله في رعاية حيوان رعاية ترفيهية تخرج عن حد الاعتدال، ولا للانشغال المفرط الذي يلهي عن المقاصد الكبرى، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعا} (سورة البقرة: 29). وفي الميزان النبوي نجد الرحمة بلا سفه، فقد جاءت السنة النبوية بمنهج وسط؛ فرحمة بالحيوان تفتح أبواب الجنة، واقتناءٌ عشوائي ينقص من الأجر؛ ففي صحيح البخاري، قال ﷺ: “مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، ليسَ بكَلْبِ صَيْدٍ، ولَا مَاشِيَةٍ، ولَا أَرْضٍ، فإنَّه يَنْقُصُ مِن أجْرِهِ كُلَّ يَومٍ قِيرَاطَانِ”؛ حذر النبي ﷺ من اقتناء الكلاب لغير حاجة الصيد أو الحراسة، مبينًا أن ذلك ينقص من أجر المؤمن، وفي المقابل، جعل في “كل كبد رطبة أجراً”، هذا التوازن هو ما نفتقده اليوم؛ فمن يطعم قطةً وينسى جارًا جائعًا، قد أخطأ مقاصد الشريعة جملة وتفصيلًا. والرحمة الحقيقية بالحيوان هي أن يترك ليعيش فطرته، لا أن يُحبس في المنازل والغرف الضيقة ويُلبس ثيابًا تخنق غريزته، يذكر الإمام ابن حزم في كتابه “المحلى” (ج 7، ص 231): “فرضٌ على صاحب الماشية والحيوان أن يقوم بما يحتاجون إليه من طعام وشراب، فإن عجز أُجبر على بيعها أو تسييبها في مكان تجد فيه رزقها”، ولم يقل أحدٌ من العلماء أن “الرحمة” تقتضي إجلاسه على الأرائك أو تزيينه بالحلي، الرحمة هي إطعامه وسقايته إذا جاع، ومنع الأذى عنه. لقد ترفع علماء الإسلام عن التوافه؛ فحين نقلب صفحات “سير أعلام النبلاء” للإمام الذهبي، نجد عظمة انشغال العلماء بما ينفع الأمة، لم يكن لعلماء السلف وقت لضياعه في “تدليل قطة” أو “تمشيط كلب”، بل كان انشغالهم بعلوم الوحي وعمارة الأرض ونفع الناس، وكان اهتمامهم بالحيوان محصورًا في فقه الطهارة، والبيوع، والأضحية، أو في التأمل في عجائب الصنع، وهذا الجاحظ في موسوعته “الحيوان” (ج 5، ص 340) يورد أخبار الحيوان لا ليدعو لتقديسها، بل ليرسم صورة للمجتمع وتناقضاته، متهكمًا بمن يضع الحيوان في غير موضعه. ومن الطرائف في الأدب سخرية الأدباء من “هوس التدليل”، فهذا أمير الشعراء أحمد شوقي في “شوقياته” (المجلد الرابع) يصور في قصيدة “الأرملة والقطة” كيف يمكن للتعلق بالحيوان أن يصبح عزاءً بائسًا: وَتِلكَ الهِرَّةُ العَمياءُ كانَت تُقاسِمُها العَشاءَ وَتَستَريحُ تُبَصبِصُ لِلعَجوزِ إِذا رَأَتها وَتَمَسَحُ ثَوبَها وَبِهِ تَشوحُ وَتَقعُدُ في جِوارِ الدارِ حَتّى يَجيءَ لَها مِنَ الزادِ الفُتوحُ فَلَمّا أَن قَضَت تِلكَ العَجوزُ وَوُورِيَ في الثَرى الجَسَدُ الطَريحُ بَكَت هذي العَمِيَّةُ بَعدَ شَهرٍ كَما يَبكي عَلى الإِلفِ النَصيحُ ومن لطائف ما يُروى في التراث ما ذكره الجاحظ في كتاب “الحيوان” عن أولئك الذين يحاسبون الهرة على لقمة العيش أو يبالغون في إكرام كلبٍ لا يحرس، كقول الشاعر ساخرًا في سياق الطرفة والاعتبار: لي كَلْبُ سُوءٍ مَا رَأَتْ عَيْنِي مِثْلَه في نُكْرِهِ وَفَسادِهِ وَخَبَالِهِ يَبْكِي إِذَا جَاعَ وَيَسْكُنُ إِنْ شَبِعْ وَيَنَامُ طُولَ اللَّيْلِ مَعْ أَمْثَالِهِ لا يَعْرِفُ النَّبْحَ العَظِيمَ لِرِيبَةٍ لَكِنَّهُ يَعْوِي لِنَيْلِ مَنَالِهِ! وهناك قصة فكاهية ذكرها الجاحظ “الحيوان” (الجزء الخامس) عن رجل كان يطعم كلبه أفضل الطعام، فلما جاءه لص، بصبص الكلب للص ودله على مكان المتاع طمعًا في قطعة خبز من اللص، فقال صاحبه شعرًا مضحكًا: غَذوتُكَ وَهِيَ مَحْضٌ (لبن) بَعْدَ مَحْضٍ فَكُنْتَ لِكُلِّ مَا تَأْتِي مَلُومَا فَلَوْ كَانَ الوَفَاءُ يَحلُّ كَلْبًا لَكُنْتَ بِذَاكَ أَحْرَى أَنْ تَدُومَا يحكى الجاحظ في (المحاسن والأضداد) أن امرأة كانت لها قطة تسميها “مسمار”، وكانت تدللها دلالًا مفرطًا وتطعمها من أطيب طعامها وتنوّمها في حجرها، فلما ماتت القطة، أقامت المرأة “مأتمًا” وجعلت تبكي وتصيح: “وا فجيعتاه بمسمار!”، فدخل عليها جيرانها يظنون أن ابنًا لها أو عزيزًا قد مات، فلما عرفوا أنها قطة، سخروا منها، وأصبحت قصتها مادة للتندر في المجالس حول “سخافة العقل” حين تتعلق النفس بما لا يعقل. ونختم بهذه القصيدة الفكاهية، “في هجاء هرة مدللة”؛ وهي أبيات تصف حال الهرة التي اعتادت الرفاهية فصارت عبئًا على صاحبها: يَا هِرَّةً في الدَّارِ صَارَتْ حَاكِمًا تَبْغــي الطَّعَــــامَ وَتَشْتَهي اللُّحْمَانَا تَنَامُ فَوْقَ الخَزِّ غَيْرَ مَلُولَةٍ وَتَتْرُكُ الفِئْرَانَ تَمْلأُ دُنْيَانَا “إن هذه النوادر لم تُكتب لمجرد الإضحاك، بل لبيان أن الإنسان إذا بالغ في وضع الشيء في غير موضعه سقط في فخ السخرية، إن العناية بالحيوان فضيلة حين تنبع من “الرحمة”، لكنها تصبح “رذيلة اجتماعية” حين تتحول إلى “وثنية حديثة” تُبذل لها العواطف والأموال التي هي حق أصيل لفقراء البشر؛ فلنعد إلى الفطرة؛ لنرحم الحيوان في مكانه الطبيعي، ونحفظ للإنسان كرامته ووقاره، فالبيوت بُنيت لتكون محاريب للذكر ومآوٍ للكرامة، لا “فنادق” لكائناتٍ لا تدرك من وجودنا إلا ما يُوضع في أطباقها، لكن رفعها لمقام الإنسان (حمق)، وإضاعة كرامة البيت وأموال الأسرة عليه (سفه) تنزه عنه عقلاء الأمة وأدباؤها”. *دكتوراة في الأدب والنقد والبلاغة