(كازنتزاكي ما بين زوربا والإنقاذ الإلهي)
“لا آمل في شيء، لا أخشى شيئًا .. أنا حرّ” هكذا ترك (كازنتاكي) رساله أخيرة للعالم مكتوبة على شاهد قبره كخلاصة لكل تأملاته وفلسفته، جملة تتنفس حرية، عن انسان بلا غايات وقيود متروكاً بالكامل للحظة كما هي لا كما يريدها أن تكون. يحكى أن “كازنتزاكي” أصيب بداء جلدي غريب لم يستطع أن يتطبب منه، ولم يجد له دواء عبارة عن تقرحات تنتشر في بدنه هنا وهناك وخاصة في وجهه وشفتيه، تاركة خلفها ندوبا وآثاراً و افرزات، منعته من الخروج لأشهر، بقي فيها حبيس غرفته في فيينا يكتب ويقرأ ويتأمل، والتفسير الوحيد لمرضه هو أنه كان مصاباً بما يسمى بداء القديسين، لأنه تعافى تماماً بمجرد ركوبه القطار وانطلاقه من فيينا، هذا المرض الروحي كان نواة فكر “كانتزاكي” الصوفي، بعد مدة من شفاءه من المرض ذكر أن سبب إصابته كانت حادثة قد تبدو عادية، فقد كان في إحدى الليالي يجلس في مسرح ما ويشعر بالملل ليتجاذب الحديث مع السيدة في المقعد المجاور، ليقررا الخروج والسير في الخارج، فيتعرف كل منهما على الآخر خلال تلك المحادثة، ويشعر نحوها بانجذاب رهيب، ثم افترقا بعد أن اتفقا على لقاء ساخن في شقته فيما بعد، لكن المرض يداهمه في لحظات ترقب الموعد، ويزداد حدة كلما أجل موعده، فيرسل إليها ليبلغها بإلغاء اللقاء، فآخر ما كان يريده هو أن تراه وقد تقيح وجهه وجسده، الغريب في الأمر أنه يتعافى بمجرد خروجه من فيينا، وهذا يدل على شعوره المضاعف بالذنب ازاء ما كان مقدماً عليه، وأن مرضه الجلدي لم يكن سوى ردة فعل لمعاركه الروحية في الداخل، وهذا ما يسمى بمرض القديسين.. أثرت فيه هذه الحادثة كثيراً حتى أنه جعلها جزءاً من الرمزية في الكثير من أعماله. كتب “كازنتزاكي” روايته (زوربا) وخلق من زوربا شخصية لا يمكن أن تُنسى؛ مزيجًا صوفيًا ليبراليًا، متمرّدًا على كل شيء، يخوض الحياة بكل تفاصيلها، بلا خوف ولا حسابات، وفي المقابل جعل من شخصية العالِم القارئ(باسيل) مراقبًا للأحداث، شاهدًا على الحقيقة أكثر من كونه فاعلًا فيها، والحقيقة أن الشخصيتين تمثلان “كازنتزاكي” نفسه ذاك الذي يقرأ ويفهم ويحلّل، لكنه يتمنى أن يتحرر من خوفه ليكون “زوربا” الكائن المخلص للحياة وهي الشخصية الكامنة فيه فعلًا والتي يعجز تماماً عن إطلاقها وتحريرها، غير أن “كازنتزاكي” لم يكتفِ بالكشف عن هذا الصراع عبر الرواية، بل عاد ليعرّي خيوطه الداخلية في كتاب (الإنقاذ الإلهي) حيث قدّم شذرات صوفية متأثرة بفلسفة “سبينوزا” وأفكار “ تولستوي”، ورؤى “ابن عربي” و”الحلاج” وكأنها اعترافات وجودية أكثر منها نصوصًا فكرية مغلقة، في (الإنقاذ الإلهي) يبدو “كازنتزاكي” منشغلًا بالسؤال أكثر من الإجابة سؤال المعنى و الحرية، وسؤال العلاقة بين الإنسان والإله، وهو هنا يتأثر بوضوح بفلسفة سبينوزا، حيث لا يكون الإله عنده كائنًا منفصلًا عن العالم بل متغلغل في الوجود ذاته، في الصراع و الألم وفي الحركة الدائمة، كما تحضر رؤى ابن عربي عن وحدة الوجود، أما أثر الحلاج، فيظهر في نبرة العذاب والتضحية، في الإيمان بأن الطريق إلى المعنى يمر عبر الألم، وأن الخلاص ليس نعيمًا نهائيًا بل معركة مستمرة. ما يميز (الإنقاذ الإلهي) أنه كتاب غير مطمئن و لا يمنح القارئ شعورًا بالتصالح ولا يقدّم وصفة روحية جاهزة إنما يجعله أمام نص قلق و متوتر كُتب من داخل الصراع وهو لا يقف في موقع الحكيم إنما في موقع الإنسان الذي لم يصل وربما لا يريد أن يصل فالوصول في نظره قد يكون شكلًا آخر من أشكال الموت! في هذا السياق بالذات يمكن فهم “زوربا” لا كنقيض للعالِم “باسيل” لكن كحلم مستحيل التحقيق بالكامل حيث يكون زوربا هو ما نريده حقاً ولا نستطيع أن نكونه، وكازنتزاكي يدرك ذلك لذلك لا يتحول إلى زوربا ولا يتخلى عن عقله، بل يظل عالقًا بين الاثنين و مؤمنًا أن هذا التمزق ذاته هو جوهر التجربة الإنسانية الحقيقي. كتاب (الإنقاذ الإلهي) إذن ليس معنياً بالخلاص بل بمساءلة لفكرة الخلاص نفسها، هل نحتاج فعلًا إلى النجاة؟ أم أن المعنى الحقيقي يكمن في السير و في المحاولة، يكمن في الصراع المفتوح مع الذات والعالم والإله؟ و كازنتزاكي هنا لا يجيب، وربما كانت قوته الحقيقية في كونه لا يفعل ذلك، فهو يترك القارئ في المساحة نفسها التي وقف فيها مساحة الشك والرغبة العنيدة في الحياة رغم كل شيء، وكأنه يرمي إلى أن الإنسان كائن مشدود إلى الأبد بين قوتين نداء الأرض ونداء السماء، وأن مأساة الوجود لا تكمن في اختيار أحدهما، لكنها تكمن في العجز عن التوفيق بينهما،هذه الفكرة ليست نظرية فلسفية مجردة بل تجربة يشعر بها الكاتب في جسده وروحه، ويحوّلها إلى خطاب داخلي لذلك تأتي لغته حادة و أقرب إلى أوامر داخلية منها إلى تأملات شاعرية ناعمة. في أحد مقاطع الكتاب، يتحدث كازنتزاكي عن ضرورة أن نحبّ العبء الذي نحمله لا أن نلعنه أو نحاول التخلص منه و العبء هنا هو الوعي و الحرية والمسؤولية، و هذا التصور يعيدنا إلى سبينوزا مرة أخرى، حيث لا يكون التحرر في الهروب من الضرورة، بل في فهمها والانسجام معها، غير أنه يذهب أبعد من ذلك فهو لا يكتفي بالفهم بل يطالب بالفعل، بالفعل المؤلم أحيانًا والذي قد لا يقود إلى نتيجة واضحة. أما البعد الصوفي، فلا يظهر عند كازنتزاكي في صورة نشوة أو ذوبان كامل كما في بعض القراءات السطحية للتصوف، بل في صورة صراع عنيف مع الإله، وهنا يقترب من الحلاج في موقفه الوجودي والتعامل مع الإيمان كخطر لا كأمان، فالإله في الإنقاذ الإلهي قوة تدفع الإنسان إلى تجاوز ذاته باستمرار حتى لو كلفه ذلك الألم والتمزق، وكأنه لا يبحث عن إله يريحه، بل عن إله يطالبه بالمستحيل، لذلك يرفض فكرة الخلاص النهائي، ويرى أن أي توقف عن الصراع هو شكل من أشكال السقوط، في هذا السياق، يمكن قراءة الكتاب كبيان ضد الراحة الفكرية والروحية، وضد تحويل الدين أو الفلسفة إلى أدوات تهدئة، فهو يصرّ على أن الإنسان الحقيقي هو ذاك الذي يظل واقفًا في العراء، بلا ضمانات ومن هنا تتضح العلاقة العميقة بين زوربا والإنقاذ الإلهي، فزوربا هو الحياة بلا أسئلة أما الإنقاذ الإلهي هو الأسئلة بلا حياة كاملة، وكازنتزاكي عالق بين الاثنين، لا يستطيع أن يكون هذا بالكامل ولا ذاك تمامًا، لكنه يحوّل هذا العجز إلى مشروع فكري، وإلى نص مفتوح على القلق، نص لا يريد أن يُفهَم بقدر ما يريد أن يُعاش، يضع كازنتزاكي في مفتتح الإنقاذ الإلهي عبارته الأشهر التي يمكن اعتبارها خلاصة موقفه الوجودي كله “لا أؤمن بشيء، لا آمل في شيء، أنا حر” هذه الجملة، على بساطتها الظاهرية، ليست نشيدًا عدميًا، بل إعلان قطيعة مع كل أشكال الوهم المريح، وكأنه لا ينفي الإيمان بذاته بل ينفي الإيمان الجاهز، الموروث الذي يعفي الإنسان من القلق والمسؤولية،فالحرية هنا لا تأتي من الامتلاء بل من الفراغ من التخلّي عن الضمانات الكبرى، للوصول إلى حرية قاسية، بلا مكافأة أخروية واضحة، وبلا أمل مُسبق، وفي موضع آخر يكتب “نحن لا نطلب الخلاص، نحن نخلق الخلاص” هنا تتجلى القطيعة النهائية مع التصورات الدينية التقليدية، فالخلاص عنده ليس هبة، ولا وعدًا إلهيًا، بل فعلًا إنسانيًا شاقًا، الإنسان لا يُنقَذ بل يُنقذ نفسه بنفسه، عبر الصراع والعمل والتجاوز المستمر، وهذه الفكرة تعكس تأثره الواضح بسبينوزا، حيث لا مكان للمعجزات الخارقة، بل للفعل الواعي داخل نظام الوجود ذاته، وفي مقطع آخر يقول “لا أريد السعادة أريد الصراع” وكأن الكتاب هنا يبلغ الكتاب الوجودية فالسعادة تُرى كحالة ركود، كإغراء بالاستقرار، بينما الصراع هو الدليل الوحيد على الحياة، و هذه الفكرة تربط الإنقاذ الإلهي مباشرة بروح زوربا، لكن على مستوى أكثر تجريدًا وقسوة، فزوربا يعيش الصراع جسديًا، وكازنتزاكي يعيشه فكريًا وروحيًا. وبرأيي أن هذه الشذرات أتت في مرحلة تخبط روحي وفكري مر بها كازنتزاكي لا أكثر ، لكنها رغم ذلك خرجت للنور، وربما كان زوربا هو السبب في ذلك، فالربط ما بين هذه الروح المتمردة والتي تختار الطريق المؤلم للوصول ، وترفض الخلاص في الإنقاذ الالهي ، وما بين زوربا الذي لا تهمه العاصفة ويسخر من الموت والحياة على حد سواء، جعل من هذه الشذرات ذات أهميه خاصة وكأنها خلاصة روح كازنتزاكي نفسه، لا مجرد أفكار صوفية حادة اللغة... من خلال هذه الشذرات، يتضح أن الإنقاذ الإلهي ليس كتاب إيمان ولا كتاب فلسفة بالمعنى الأكاديمي بل نص مواجهة مع الذات ومع وهم الخلاص السهل، ضد الطمأنينة وضد الحلول النهائية، وضد الرغبة الإنسانية القديمة في أن يُقال لنا إن كل شيء سيكون على ما يرام، وهو برغم اللغة الصارمة والحادة في الكتاب لا يطلب من القارئ أن يوافقه، بل أن يجرؤ على الوقوف في المساحة نفسها مساحة الشك للوصول إلى الحرية التي لا تستند إلى شيء سوى القدرة على الاحتمال، وهنا لا ينتصر الإيمان على الشك، بل ينتصر الصراع نفسه. *جاء كتاب الإنقاذ الإلهي في النسخة بين يدي والصادرة عن دار الرافدين بترجمة رائعة من المترجم “سهيل نجم”.