هل تُحيي الترجمةُ نصًّا ميتًا؟
هل يمكن أن تُحيي الترجمة نصًا ميتًا، أم تمارس نوعًا من الخداع الأدبي؟ وُصفت الترجمة بأنها “قبلة خلف زجاج”، في إشارة إلى أن النص المترجم أقل حرارة من النص الأصلي، ومع ذلك تجذب الكتب المترجمة شريحة واسعة من القرّاء. هناك أسماء أدبية بارزة في عالم الترجمة الأدبية والثقافية، التي تهدف إلى نقل النصوص الأدبية والفكرية مع الحفاظ على روحها الفنية والمعرفية. بالنسبة لي، قرأت ترجمات الأديب جبرا إبراهيم جبرا، ويُعدّ من أهم المترجمين العرب لشعر ومسرحيات ويليام شكسبير من جيل الرواد. كنت أحب هذا الشاعر الإنجليزي، ودرست جانبًا من شعره، وأحفظ بعض قصائده، خصوصًا ما يُعرف بـ”السونيت” Sonnet: قصيدة قصيرة ذات أربعة عشر بيتًا، غالبًا ما تدور حول الحب أو التأمل الفلسفي. استمتعت بما ترجم لي، ولا أعلم إن كان دقيقًا في نقل النص الأصلي أم اقترب منه إلى حدٍّ كبير، لكن المهم أن المحتوى راق لي، وما دامت الترجمة تُعنى بالمعنى قبل غيره، فلا غرابة أن تتفوّق لغة المترجم أحيانًا على النص الأصلي في الصياغة والجمال. ما أودّ قوله هو أن سبب انجذاب شريحة واسعة من القرّاء إلى الكتب المترجمة يعود في الأساس إلى مادتها ومحتواها الأصلي، فهي غالبًا تعكس الثقافة الغربية والإنسانية عمومًا، وتتميّز بارتفاع سقفها الفكري في تناول قضايا الإنسان، في مختلف سلوكياته وتقلباته. ولا عجب أن يجد عشّاق الترجمة فيها ما يلامس شغفهم ويستثير عواطفهم. قرأت جانبًا من تلك الكتب المترجمة، واستمتعت ببعض موضوعاتها وأسلوبها ولغتها، لكنني في الوقت نفسه وقفت على كتب عربية تضاهيها جمالًا في المحتوى، وحجم الاشتغال، وجودة السبك، رغم أن حظّها كان أقلّ بين قرّاء اليوم. وهنا تحضرني كتب الأدباء اللبنانيين؛ أمثال أمين نخلة في المذكرة الريفية، وميخائيل نعيمة في معظم نتاجه. وفي مصر يشدّني محمد حسن الزيات، لما تحمله كتاباته من أسلوب فني رفيع، ولا يمكن إغفال صالح علماني وسامي الدروبي، لما قدّماه من أعمال ترجمة أسهمت في تعميم الأدب العالمي عربيًا. يبقى الجمال مرهونًا بالمحتوى الأصلي وحساسية الاشتغال على النص المترجم، خصوصًا في الكتب التي تتأمل الطبيعة والكون، وتتعمق في النفس الإنسانية. أخيرًا: هل يجب أن تكون الترجمة مرآة للنص، أم يكفي أن تمنحنا المتعة بلغة المترجم؟