في لقاءاتنا الخاصة التي أصبحت تقليدا أسبوعيا متجدداً يحضره “أصدقاء ظهيرة الجمعة”من المهتمين بالمشهد الثقافي والاجتماعي والفني وأحياناً الرياضي منذ أكثر من خمس سنوات،تتجدّد الحوارات حول الكتب التي نقرأها سواء الأدبية أو الفنية، بشيءٍ من التأمل أحيانًا،وبالنقاش والاتفاق والاختلاف أحيانًا أخرى، على غرار روح الحوار التي نعتادها في هذا اللقاء،ومن بين ما طُرح مؤخراً وللنقاش كتاب -المبادع لمحة تاريخّية ونماذج شعبية- للأديب الأستاذ عبد العزيز النصّافي،الصادر عن دار رشم للتوزيع والنشر عام 2024، والذي يقع في 295 صفحة، وقد أهداني إيّاه الصديق المشترك الأستاذ علي فايع وهو حقيقة مؤلَّف يستحق التوقف أمامه بوصفه واحدًا من أهم الدراسات التي تناولت فنّ المبادع وفنون الرد والقلطة في السعودية والخليج. يقدّم النصّافي مادته بلغة تجمع بين رصانة الباحث وحسّ الأديب فيرسم صورة شاملة لفنّ المبادع، متتبعًا جذوره التي نبتت وفق ما ذكر في بادية الحجاز، ثم انتشرت مع مرور الزمن إلى أرجاء الخليج، مع تحوّلاته وخصائصه الأسلوبية، وموقعه ضمن الفنون الشفاهية التي لامست اليومي في حياة الناس. ويتميّز الكتاب بمنهج لا يكتفي بالعرض التاريخي، بل يفتح مستويات تحليلية تستكشف طبيعة النصوص وأدوات الشاعر وآليات الارتجال التي يبثّها في “الملعبة”،وما تحتويه أحيانًا من ألغاز دقيقة تجمع بين معنى مدفون وآخر مكشوف، إضافةً إلى بنية الحوار الشعري وطواريق الطرب التي تمنح هذا الفن حضوره الخاص. ويضيء النصّافي جانبًا مهمًا من تاريخ المساجلات الشعرية التي شهدتها تلك الفنون في عهد الملك فيصل رحمه الله وكيف مثّلت مساحة للتعبير والتقاطع الاجتماعي. ثم يتناول بحسب وصف الدكتور عبدالله الغذامي مرحلة التحريم والممانعة التي امتدت بين عامي 1407 و1417هـ، ويرى أنها حقبة أثّرت على حضور هذا الفن وأدّت إلى انحساره وتبدّل نظرة الشعراء والجمهور إليه، قبل أن يعود إلى الواجهة بأفق أكثر انفتاحًا وجماهيرية في العام 1413هـ وبشكل غير مسبوق مستشهدا ببعض الحفلات . كما خصّص الكاتب فصلاً للخطوط الحمراء التي تُعد جزءًا من “محاذير فنّ المبادع” محللًا أسبابها ودلالاتها، ومبرزًا حضور عدد من الشعراء الذين انتقلوا من المبادع إلى الغناء الشعبي، وما مثّله ذلك من تحوّلات فنية وجمالية. ويدعم النصّافي طرحه بشواهد شعرية تُبرز قدرة الشعراء على التفاعل اللحظي، وتوظيف الجناس والطباق، وصياغة الصور الذهنية في فضاء أدائي يتجاوز حدود القصيدة المكتوبة.وهو بذلك يرسم خريطة دقيقة لهذا الفن، مبيّنًا أثره على الذاكرة الجمعية ودوره في تشكيل الذائقة الشعبية في عددٍ من مناطق المملكة.ومن الإضافات اللافتة في هذا العمل الفصل الذي حمل عنوان “مثقفون يجيدون المبادع” إذ لا يكتفي فيه المؤلف بالتوثيق البارد،بلّ يستعيد مواقف ومساجلات شعرية أنيقة جمعته شخصيا بعدد من الأسماء الثقافية البارزة، مثل الدكتور حمزة المزيني، ومرزوق بن تنباك، وسعود الصاعدي، والكاتب المعروف محمد السحيمي، وجريدي المنصوري، وعبدالله المعطاني رحمه الله، وعبدالله السفياني، ومحمد راضي الشريف، وخليف الغالب. وقد جاءت تلك المساجلات في معظمها بصيغة تجمع بين الحكاية والقصيدة، مانحةً القارئ صورة حيّة عن طبيعة هذا الفن وذكائه الحواري. وفي مسارٍ موازٍ كما رأيت وتتبعت يبرز كتاب الأديب والشاعر الكبير إبراهيم طالع الألمعي “الشعر الشعبي نبض حياة” الذي يقع في 170 صفحة، والصادر عام 2001 عن جمعية الثقافة والفنون في أبها، بوصفه قراءة مختلفة وفاحصة للشعر الشعبي.ينطلق طالع من تفكيك العلاقة بين الشعبي والفصيح، من خلال معالجة الإشكال المتعلق بمصطلحي “شعبي” و”لا شعبي”إذ وضعهما ضمن مصفوفة من المعايير التي أخضعها لمقاييس مادية وجمالية ملموسة وثابتة. ويرى أن الذائقة العامة دأبت على أنّ هناك لغتين وشعرين إحداهما كتابية منبرية، تملك سلطانا يُخضع الناس دون إخضاع شعورهم، وأخرى للحياة سلطانها شعوري نابع من علاقة تكوينية للجماعة بهذه الحياة،ويؤكد طالع أن الشعر الشعبي نصٌّ حيٌّ يحمل قيمًا إنسانية وثقافية غنية، وقادر على تمثيل روح المكان والناس. ويتناول الكتاب عددًا من الألوان الجنوبية، مستعيدًا حكاياتها وذاكرتها، ودارسًا مفرداتها وأبنيتها اللغوية وأغراضها الشعرية، كالمناظيم والقاف والعرضة والمعراض والدمة والخطوة والواحي، وأغاني النياحة ذلك الشعر المؤثر الذي تنوح به المرأة على فقد أخٍ أو ابنٍ أو حبيب إضافة إلى أغراض شعرية أخرى، كهدهدة الطفل، وأغاني العمل، وطرق الجمال، والبدوية، وما التصق بالشعر الشعبي بعامة من خلال أسطرة القدرات أي تحويل مهارات وقدرات الشاعر إلى صورة شبه خارقة أو أسطورية مثل الاعتقاد بوجود”شيطان الشعر” الذي يُلهِم الشاعر “القرين” ويرافقه بلّ ويمنحه القدرة على الارتجال ونحو ذلك من التصوّرات الشعبية التي كانت تُفسِّر تفرّد الشعراء، مقرونًا بـالشروحات والإيضاحات التي تبرز جذور هذه التصوّرات وخلفياتها. ويستشهد طالع في هذا الكتاب البديع بالشاعر محمد بن مانع الهازمي مثالاً حيًا للشعر الشعبي الجنوبي إبان القرنين الثالث والرابع عشر الهجريين، مستدعيًا نماذج كثيرة من شعره، والعديد من المواقف التي مرّ بها في حياته، ومقدّمًا معها التعليقات التفسيرية المصاحبة. كما يسلّط الضوء على ما كان يمتلكه من قدرات معرفية تتعلق بـ “الحسّابة”أي حساب المواسم والأوقات وبخاصة علم الفلك الذي كان يعينه على ضبط الأزمنة والمواعيد الزراعية فيمنحه مكانة إضافية داخل مجتمعه وأهليه.! ورغم اختلاف المسارين، يلتقي العملان عند هدفٍ واحد وهو حفظ الذاكرة الشعرية وتوثيق الفنون المحلية بمنهجية تراعي العمق اللغوي والاجتماعي. فالنصّافي يقدّم قراءة استقصائية لفنّ المبادع وتحولاته وأساليبه، بينما يذهب طالع إلى الأبعاد الثقافية والإنسانية للشعر الشعبي، مؤسِّسًا لوعي لغوي يمتد إلى جذور اللهجة في جنوب الجزيرة العربية. ويُظهر كلٌّ من كتابي “المبادع والشعر الشعبي نبض حياة” كيف أن الشعر الشعبي يشكّل جزءًا أصيلاً من الهوية السعودية،ويقترب من حياة الناس اليومية، ويخلد في الذاكرة الجمعية،مستمرًا في التعبير عن التجربة الإنسانية والواقع الاجتماعي والثقافي، بوصفه صوتًا حيًا للوعي والهوية وتجربة مشتركة تربط الماضي بالحاضر. ويُترجم ذلك عبر الفنون الأدائية التي تقدمه على منصات عالية وتستدعيه في المناسبات الوطنية. ومن هذا المنطلق، فإن من شأن المؤسسات الثقافية والجامعات والوزارات المعنية أن تساهم في إيجاد دراسات علمية متخصصة بالشعر الشعبي وما ارتبط به من ممارسات وأساطير وطقوس تستحق البحث العميق والحفر الغائر لفهم جذورها ودلالاتها، ولا مانع من استحداث كرسي باسم الأدب الشعبي أو مركز خاص بدراسته تتبناه إحدى هذه الجهات،ليظل هذا الفن حاضرًا حيًا ومصدر إلهام للأجيال القادمة. * كاتب ومخرج مسرحي ومهتم بالفنون الأدائية. أبها