ود.
نجيء للحياة في رحلةٍ قد تطول أو تقصر، وسواءً طالت أم قصرت فلابد لنا من خوض بعض الاختبارات اليسيرة فيها تارةً والصعبةً تارةً أخرى. في قاعة الامتحان انتظمت الطالبات الصغيرات كل واحدةٍ في مكانها، كأنهن ورداتٌ في أصص. أمام كل طالبةٍ قلم رصاص ووممحاة ومبراة وورقةٌ تزدحم بالحروف والأرقام. هذا هو أول اختبارٍ لطالبات الصف الأول الابتدائي. نظرتُ إلى تلك الوجوه بشفقةٍ سائلةً نفسي: _ ياللصغيرات المسكينات، كم من اختبارٍ أمامكن في الحياة. قلت ذلك بمرارةٍ وأنا التي أتعبتني الحياة باختباراتٍ لا أحصي عددها. الجميل في الأمر أن الطالبات اليوم لا أرى الخوف باديًا على ملامحهن عكس حالنا في طفولتنا. جوري توزع ابتساماتها كالمعتاد في وجه كل من تلقاه، أو ينظر إليها. وريف لا تتوقف عن طرح الأسئلة وتردفها ببعض الشكوى والتذمر. تولين تُظهر رباطة جأشٍ وكأن الأمر لا يعنيها، بينما صِبا الوحيدة التي يبدو الذعر واضحًا عليها. أشاطرها الشعور، إذ لطالما أبغضتُ مادة الرياضيات، لم أحبها يومًا ولن يحصل ذلك قط. هناك في الصف الأيمن المقعد الأخير من جهة الجدار تجلس ود. أحب تلك الوجوه جميعًا، إلا أن لود حبًا مختلفًا. جميلةٌ و عنيدةٌ وقوية. قلتُ في نفسي وأنا أتاملها. -أحبكِ ياود أكثر مما تعلمين أو تتوقعين، هناك شيءٌ ما فيكِ يأسر قلبي، ربما شخصيتكِ القوية، فأنا لا أحب الضعفاء والمنهزمين، حتى لو كنتُ أخفي أحيانًا في أعماقي مثل تلك المشاعر البغيضة رغمًا عني. -وجهكِ القمري لايكاد يتماشى مع رأسكِ العنيد كالفولاذ. بعد مُضي نصف الوقت من زمن الاختبار، مررت بورقة التوقيعات على الحاضرات. أشير بإصبعي إلى خانة التوقيع، تكتب كل طالبةٍ اسمها بيدٍ صغيرةٍ مرتعشةٍ، سارت الأمور على نحوٍ طبيعي حتى وصلتُ إلى ود. كتبت اسمها، وفيما أوشكتُ أن أستدير وأعيد الورقة على الطاولة بعد الانتهاء من التوقيعات، لفت نظري اسم ود المكتوب على ورقة الإجابة. أخذتُ أحدقُ في اسم أبيها الذي كتبته، كررت النظر وعيناي تجحظان من مكانهما، متسائلةً: - هل ما أراه مكتوبًا صحيحٌ، أم أن لضعف نظري دورٌ فيما أرى. ماج رأسي بالتساؤلات لبرهةٍ، ثم أشرتُ إلى زميلتي المراقبة لتنظر معي في الاسم، عم الصمت لوهلةٍ، تلا ذلك ضحكاتٌ مكتومةٌ منا حتى لا نحرجها أو نشوش على الطالبات أثناء الحل. عادت زميلتي إلى مكانها عند الباب، وأنا أحدّث نفسي: _ الفتاة ترى والدها كل الدنيا، هو أمانها، وقوتها، وفخرها، وتعلقها به كبيرٌ يتجاوز حد الانتماء، فتشعر بأنها ليست مجرد قطعةٍ منه تحمل اسمه، بل تعتقد أنها تمتلكه لها وحدها، وتتفرد بقلبه وحبه واسمه. (ودّ بابا) ، يالصغيرتي الحلوة، أي اسمٍ في العالم يمكن أن يكون أجمل وأصدق من هذا الاسم؟ انتهى الاختبار بعدما قلت لها أن تكتب اسم والدها الحقيقي، وحين رويت ماجرى لزميلتي الأخرى التي هي خالتها، ضحكت وعللت السبب، بأنها لاتعرف كيف تكتب اسم أبيها، فأوجدت لنفسها هذا الحل. كانت ذكيةً وطريفةً وحنونةً في تصرفها إزاء مأزقها الصغير بحجمها. * رجال ألمع.