«خيال الظل » للناقد محمد الحميدي ..

مغامرات في صناعة الرموز .

يقدّم الناقد محمد الحميدي في كتابه خيال الظل – مغامرات في صناعة الرموز قراءة نقدية عميقة في آليات تشكّل الرمز داخل الوعي الجمعي، مستندًا إلى ثقافة موسوعية وقدرة لافتة على الربط بين التاريخي والأدبي والأسطوري والديني، في محاولة لفهم كيفية صناعة الرموز، واستمرار فاعليتها، أو أفولها مع تغيّر السياقات. وينطلق الكتاب من فكرة مركزية مفادها أن الرمز ليس كيانًا ثابتًا أو حقيقة مكتملة، بل بنية دلالية متحركة، تتغذّى من الصراع، والمقارنة، والتناقض أحيانًا، ومن الموازاة أو المفارقة أحيانًا أخرى. ولذلك يستدعي الحميدي نماذج متعددة من الشخصيات التراثية والإنسانية، قارئًا إياها بوصفها تمثيلات ثقافية تتجاوز حدودها الزمنية. ومن هنا يمكن فهم سبب اختيار عنوان الكتاب؛ إذ ربما اختار الحميدي تسمية خيال الظل لأن الرموز التي يتناولها لا تُقدَّم بوصفها ذواتٍ مكتملة الحضور أو حقائق نهائية، بل بوصفها تمثيلات ثقافية متحوّلة، تتكوّن هذه الرموز في المسافة الرمادية بين ما هو مُعاش ومؤرَّخ، وما هو متخيَّل ومختزن في الذاكرة الجمعية.  وهي رموز لا تُفصح عن دلالتها مباشرة، بل تعمل بمنطق الإيحاء والإسقاط، فتقول أكثر مما تُصرّح، وتؤدي وظيفتها عبر الحركة والتحوّل، وهو ما يعبّر بدقة عن جوهر مغامرة الحميدي النقدية في تفكيك آليات صناعة الرمز واشتغاله داخل الثقافة. وفي هذا السياق، يشتغل الحميدي على بثّ الروح في الرمز، لا من خلال التوصيف السردي، بل عبر المقارنة والصراع الدلالي؛ فنراه يقارن بين شخصيات متقابلة أو متجاورة في المخيال الثقافي، كعروة بن الورد وأبي الطيب المتنبي، أو حاتم الطائي وجحا، أو عنترة وأشعب، ليكشف كيف تصنع الثقافة أقطابها الرمزية وفق حاجاتها النفسية والاجتماعية. كما يتجاوز الإطار العربي إلى الرموز العالمية، فيقارن بين غاندي وتشي غيفارا، حيث يتّحد الهدف ويختلف المنهج، بما يؤكد نسبية الرمز وتعدّد طرائق تمثّله. ويمتد هذا الاشتغال إلى الرموز الأسطورية والمتخيَّلة، مثل أخيل، والسندباد، وأليس في بلاد العجائب، حيث تتداخل الطبيعة والخيال بوصفهما عنصرين مساعدين في تحقيق الفعل الرمزي، قبل أن يصل إلى الرموز الدينية المقدسة، متعاملًا معها بوصفها جزءًا من الذاكرة الثقافية الجامعة، مع الحفاظ على خصوصيتها وقدسيتها. كما يناقش الكتاب أفول بعض الرموز وموتها حين تفقد قدرتها على الاستجابة لأسئلة العصر، ويتوقف عند المناسبات الدينية بوصفها نسقًا ثقافيًا مضمرًا، وعند إشكاليات معاصرة مثل غياب معيار الكفاءة، والخلط بين مفهومي الولاء والانتماء، وصولًا إلى توصيف العولمة بوصفها مشروعًا فقد شروط الاستمرار. مسك الختام إن خيال الظل ليس مجرد استعراض لأمثلة رمزية، بل مشروع نقدي يسعى إلى كشف البنية العميقة للرمز، وآلية اشتغاله داخل الثقافة، مؤكدًا أن الرمز كائن حيّ، يتحرّك في الظل أكثر مما يقيم في الضوء، ويكشف عبر إيحائه أكثر مما يقول عبر تصريحه.