مدخل بين يديّ ديوان «زجاج» للأديب الشاعر أحمد السيد عطيف، العمل الشعري الأول الصادر عن النادي الأدبي بالرياض عام 1430هـ، حاملاً ثلاثًا وعشرين قصيدة، تبدأ بـ«مسرى» وتنتهي بسؤالٍ مفتوحٍ جارح: «هل آلم الجرح؟!!»، كتبها الشاعر في كوالالمبور عام 1992م. وبين البداية والنهاية، لا يسير القارئ في طريقٍ معبّد، بل على سطحٍ شفافٍ هشّ، يرى تحته أكثر مما يحتمل، ويُطالب بأن يزن خطوته قبل أن يطمئن. فالوضوح هنا لا يعني السهولة، والشفافية لا تعني الأمان. في إهدائه كتب الشاعر: «أرجو أن يكون الزجاج صافياً لتراني، وروحك أصفى» غير أنّ القراءة النقدية لا تقوم على تبادل الانعكاس، ولا على مجاملة الصفاء بالصفاء، بل على الوقوف أمام النص بوصفه كيانًا مستقلًا، لا يُزاد عليه بالودّ ولا يُنقَص منه بالتحفّظ. الزجاج: تسمية ليست بريئة اختيار عنوان «زجاج» ليس تسمية جمالية فحسب، بل إعلان موقفٍ شعريّ. فالزجاج مادة فريدة: تُريك ولا تُريك تحجب دون أن تُغلق تسمح للضوء بالمرور، لكنها لا تضمن السلامة وهكذا هو هذا الديوان: قصائد شفافة حدّ المكاشفة، لكنها ليست سهلة العبور. من يظن أن الوضوح يُلغي العمق، سيجرح يده. ومن يتعامل مع النصوص بوصفها اعترافات مجانية، سيكتشف أن الزجاج لا يُكسر إلا على عجل. في «زجاج» نرى التجربة الشعرية من الداخل، لا لأن الشاعر يفتح أبوابه، بل لأنه يضعنا أمام جدارٍ شفاف: نحن من يختار زاوية النظر، ونحن من يتحمّل نتيجة الاقتراب أو الاصطدام. من «مسرى» إلى «هل آلم الجرح؟» افتتاح الديوان بقصيدة «مسرى» لم يكن ترتيبًا زمنيًا عابرًا، بل تأسيسًا لمسارٍ سيستمر لاحقًا في تجربة الشاعر. في «مسرى» تبدأ الحركة: حركة الروح، واللغة، والسؤال. أما ختام الديوان بسؤال: «هل آلم الجرح؟!!» فليس نهاية، بل ذروة. إنه سؤال لا ينتظر جوابًا، لأنه موجَّه إلى القارئ لا إلى الشاعر، وكأن الديوان كلّه تمرين لاختبار الحسّ: هل ترى الجرح؟ هل تفهمه؟ أم تكتفي بالنظر من خلف الزجاج؟ تمهيد: الزجاج كموقف معرفي ديوان «زجاج» على مستوى اللغة والمضمون تجربة تفكيكية للوعي الشعري؛ فالشعر فيه ليس عرضًا وجدانيًا فقط، بل اختبار لرؤية النص والجرح والوجود. الكلمات لا تكشف ما وراءها فحسب، بل تدعو القارئ لأن ينظر إليها من الداخل قبل الخارج. الزجاج الذي يبنيه الشاعر عبر القصائد: شفاف لكنه هشّ قابل لرؤية كل شيء داخله لكنه لا يحمينا من الألم إن اقتربنا منه بلا تقدير «مساك بالخير» — صوت الجمع ونداء المشترك يقول الشاعر: شهد الخليّ وغسلين المحبينا مسّاك بالخير، ماذا لو تمسّينا؟ جئنا لبابك خطّارين فالتفتي يفديك أكرم ما أبقيته فينا جئنا نبوح بما فينا فأولنا عذرٌ وآخرنا عتبى، فذوقينا هنا لا نقرأ «أنا» فردية، بل ضميرًا جمعيًا مفعمًا بالحنين والصدق. ألفاظ مثل شهد، غسلين، خطّارين تؤسس لطقس اجتماعي ووجداني، يتحوّل فيه الخطاب من ذاتي إلى جماعي. الزجاج هنا لا يعكس وجه الشاعر وحده، بل تجربة مشتركة في الألم والاشتياق. العناوين بوصفها بنية دلالية عناوين مثل: «آآآآه يابه»، «استسقاء»، «إلا الفراق»، «ألوووووه!!!»، «أنت أحلى»، «انتحار»، «خذ راحتك»، «زخّات المواعيد»، «سؤال» ليست زخارف لغوية، بل وحدات شعورية مستقلة. كل عنوان هو صدمة لغوية أولى، تهيّئ القارئ للدخول في التجربة قبل قراءة النص. «هل آلم الجرح؟!!» — الجرح بوصفه معرفة يقول الشاعر: خلّ الجرح منسكبًا لعلّ تفهم ما كان النوى لعبا الجرح هنا ليس حدثًا يُروى، بل مسارًا يُعاش. السؤال لا يستفهم عن الألم فقط، بل عن القدرة على فهمه. إنه سؤال معرفي قبل أن يكون وجدانيًا. «إلا الفراق» — الفراق حدّ لغوي عنوان القصيدة وحده يكشف أن الفراق ليس حادثة، بل حدّ لغوي ووجودي، يعيد ترتيب الذات والوعي بعده. العنوان هنا يعمل كنقطة توقّف في اللغة، لا كمدخل تقليدي للنص. «استسقاء» — الطلب بوصفه وعيًا يقول الشاعر: إني انتجعتك بالقوافي المجدبات أصفها في بابك المفتوح أنا جئت أستسقي كما واعدتني لتعود قافيتي وتورق روحي الاستسقاء ليس طلب مطر، بل طلب معنى. الشعر فعل نجاة، لا ترف كتابة. «أنت أحلى» — الجمال ككشف يقول: لا تسأليني أنا ما أرى سواك تجلّى الجمال هنا لا يُقدَّم عبر الزخرف، بل عبر الصدق المباشر. البساطة تتحوّل إلى أعلى درجات البلاغة. «خذ راحتك» — الحرية وحدود اللغة يقول الشاعر: على مهلٍ فليكن موتنا فهل تتأنّى؟ تأنّ… وخذ راحتك! أرح شفرتك لنشعر، ولو مرة، أننا نموت ليست لغة انفعال، بل مواجهة عارية مع الهشاشة الإنسانية، وتحرير للغة من القيود الأخلاقية والبلاغية الجاهزة. «زخّات المواعيد» — التكسّر الجميل يقول: متى نبوح؟ سؤال لجّ في ضلعي متى نكون معًا عرسًا في ضحى عيد؟ وعذّبتني زخات المواعيد الزمن هنا لا يأتي دفعة واحدة، بل شظايا. كما الزجاج… لا تكتمل صورته إلا من كسوره. «سؤال» — الشعر بوصفه استفهامًا وجود قصيدة بعنوان «سؤال» يؤكد أن الديوان في جوهره ليس بوحًا فقط، بل استفهامًا مستمرًا عن الوجود والحب واللغة. القصائد لا تقدّم أجوبة، بل تُبقي السؤال حيًّا. «جيزان» — المكان بوصفه ذاكرة أخلاقية ومن اللافت أن الجرح، على شدته وخصوصيته، لا ينغلق على الذات، بل يتسع ليشمل المكان بوصفه ذاكرة أخلاقية. وتتجلّى هذه الرؤية بوضوح في قصيدة «جيزان»، حيث يتحوّل المكان من جغرافيا إلى موقف إنساني، ومن حنين إلى ميزان قيم، فيقول الشاعر: جيزانُ يومَ وداعِنا خَتَمَتْ على وجدانِنا أنَّ الهوى أخلاقُ جيزانُ تعذِرُ ظالميها كلَّهم وأحقُّ من ظلمتْهمُ العُشّاقُ جيزانُ كالنسيانِ أو بنتٍ له رُفِعَ اليراعُ وجفّتِ الأوراقُ هنا لا تُستدعى «جيزان» بوصفها ذكرى شخصية، بل بوصفها مكانًا قادرًا على التسامح، وعلى إعادة تعريف العاطفة خارج منطق الشكوى. الهوى أخلاق، لا اندفاع. والعشق مسؤولية، لا تبريرًا للأذى. «مدد» — المدينة والصداقة بوصفها تجربة حضرية ولا يكتمل الحديث عن التجربة الشعرية، دون الإشارة إلى نصوص مثل قصيدة «مدد»، حيث تتحوّل المدينة إلى قلب نابض، والصداقة إلى قوة حاضنة، يقول الشاعر: قلت للبرّاق يا وجه السعد نثر الكورنيش أسرار البلد خفّفت جدة من أغلالها لم تعد جدة تخشى من أحد كلما ماد بنا عطر بكى صاحبي، صاح من جد وجد المواعيد، فهذا وقتها المفاتيح، فجرّب يا ولد العباءات تحيي الريح من نفس شدّ فأغوى فاستبدّ غمغمت والريح تستفصلها راودتها عن تفاصيل أشدّ ما العباءات وما تحجبه بين سكرانين، ريح وجسد لعبت جدة فينا لعبا لعبت فينا ولم ترحم أحد هزّ قلبي يستعد حشمته هزّه قل: يا جميلات ضمد يا تباريح هوى صامطة يا صلاة الروح غربيّ الأحد أنا من عشر سنين مبعد غربتي طالت وعمري يضطهد من لنا يا غارة الله! إلا مددًا يا أهل جيزان مدد هنا تتحوّل المدينة إلى حية، والصداقة إلى مرآة للهوى والعاطفة، بعيدًا عن الانكسار والجرح، لتمنح القراءة توازنًا إنسانيًا ومكانيًا، وتجعل القارئ يرى امتداد التجربة الشعرية من الداخل إلى الخارج، ومن الذات إلى المكان. خلاصة ديوان «زجاج» ليس مجموعة قصائد، بل مشروع لغوي ومعرفي، يضع القارئ أمام اختبار الرؤية لا أمام متعة القراءة وحدها. كل عنوان شظية، وكل قصيدة مرآة، وكل سؤال جرح مفتوح. ومن يُحسن الوقوف أمام الزجاج، يرى. ومن يسيء التقدير… يتألّم. وهذا، في جوهره، هو الشعر. كما تضيف القصائد مثل «جيزان» و«مدد» امتدادًا شعوريًا ومكانيًا، لتكتمل التجربة بين الذات، الجرح، المكان، والصداقة.