«على مرمى فكرة» ليس كتابًا يُقرأ بوصفه نصوصًا متجاورة، بل يُعاش كتجربة وعي متكاملة، تبدأ من لحظة تأمل بسيطة وتنتهي عند إدراك أكثر نضجًا وهدوءًا. هو كتاب كُتب للإنسان الذي يتوقف قليلًا أمام الحياة ليسأل، وللقارئ الذي يبحث عن معنى لا يُملى عليه، بل يُكتشف معه خطوة خطوة. منذ صفحاته الأولى، يفتح الكتاب بابًا هادئًا للتأمل في الفكرة حين تولد، وفي الكلمة حين تتحول من مجرد تعبير إلى وسيلة فهم ونجاة، وفي السكون بوصفه حالة إنسانية عميقة في زمن بات الضجيج فيه هو القاعدة. يمضي الكتاب عبر فصول مترابطة تشبه محطات وعي متتابعة، حيث لا يقف كل نص منفصلًا عن الآخر، بل يتكامل معه ضمن خيط فكري واحد يعيد ترتيب الداخل دون صخب. تتناول النصوص موضوعات تمس جوهر التجربة الإنسانية، من الوعي بثقله ونضجه، إلى العلاقات التي تعبر حياتنا وتترك أثرها في تشكيل ذواتنا، إلى الفقد الذي يبدو مؤلمًا في ظاهره لكنه يحمل في داخله بذور التحول والنمو. كل فكرة تُطرح هنا لا تأتي في صيغة حكم أو توجيه، بل في هيئة تجربة مفتوحة، تمنح القارئ المساحة ليعيد النظر في نفسه وفي العالم من حوله. ما يميّز «على مرمى فكرة» هو لغته القريبة والشفافة التي تجمع بين العمق الأدبي والصدق الإنساني، فلا تخاطب العقل وحده ولا تستدر العاطفة فقط، بل تمضي بينهما بتوازن واعٍ يجعل القراءة أشبه بحوار داخلي هادئ. إن ترابط النصوص يمنح القارئ إحساسًا بأن الرحلة مقصودة البناء، وأن كل فصل يمهّد لما يليه، حتى تصل الصفحات الأخيرة وكأنها عودة هادئة إلى الذات بعد مسار طويل من التأمل والفهم. لم يُؤلف هذا الكتاب ليقدّم إجابات جاهزة، بل ليعيد الاعتبار لقيمة السؤال، وليذكّر بأن الوعي لا يُكتسب دفعة واحدة، بل يتشكّل عبر لحظات صدق متفرقة، غالبًا ما تبدأ بفكرة صغيرة. ومن هنا تأتي أهمية اقتناء «على مرمى فكرة»؛ فهو ليس كتابًا يُقرأ مرة واحدة ثم يُترك، بل رفيق يمكن العودة إليه في كل مرحلة، يجد فيه القارئ ما يشبهه في فكرة، أو جملة، أو صمت مكتوب بعناية. هو كتاب لمن يؤمن أن الفهم الحقيقي لا يُفرض، وأن أكثر التحولات عمقًا تبدأ بهدوء، وعلى مسافة قريبة جدًا من القلب، على مرمى فكرة.