أعجوبةُ الشرق: الصاوي شعلان.

أحدُ مظاليمِ الأدبِ؛ الذين غَفِلَ أو تغافلَ عنهم الدارسون، وجهلتهم الجماهير؛ الشيخ: الصاوي علي شعلان، المولود عام1901م، الأديب الذي شَقِيَتْ طفولتُه باليتم والعَمى؛ فعانى الضُّرَّ بعد أن أدرك نعمةَ البصر؛ كما عَـبَّـرَ عن مأساته. غير أن ذلك لم يَحُل بينه وبين السَّعي نحو المعرفة، فحفظ القرآن الكريم مبكرًا، ثم انتقل من الريف إلى القاهرة، والتحق بالأزهر ونال شهادته العالمية عام1932م. وتعلم القراءة والكتابة بطريقة (برايل)، وعَمِلَ بتدريس العلوم اللغةالعربية في المعاهد العالية، ثم التحق بجامعة القاهرة؛ فدرس الفارسية، والأوردية، إضافةً إلى اللغة الإنجليزية. وأتمّ الصاوي شعلان أطروحتَه لدرجة الدكتوراه، وقدم رسالته للمناقشة بجامعة القاهرة منتصف الخمسينيات، بعنوان: (نظم ألف بيت من مثنوي جلال الدين الرومي، مع التحليل والدراسة)، وبعد أن اجتمعت اللجنة العلمية لمناقشتها، تركَ الصاوي شعلان القاعة، وآثر الانسحابَ في هدوء بعد خلاف مع اللجنة المناقشة. على حد تعبير الباحث: خالد محمد عبده، في كتابه: (سفراء التصوّف). وَدَفَعَهُ شعوره بمعاناة من حُرموا نعمة البصر إلى تأسيس(جمعيةِ النور لرعاية المكفوفين)، وألَّف لجنة برئاسته لكتابة القرآنالكريم بطريقة (برايل)، وتولى إدارة تحرير مجلةِ: (مكارم الأخلاق) القاهرية، وكان أولَ متحدثٍ في الإذاعة المصرية عند إنشائهاعام1934م. والصاوي شعلان شاعرٌ موهوب؛ كتبَ في أغراض الشعرالمختلفة، ووظَّفَ موهبتَه الشعريةَ في الترجمة لشعراء اللغتين: الفارسية، والأوردية الكبار: محمد إقبال، والسعدي الشيرازي، وجلال الرومي، وفريد العطار، وطاغور، ونذير الإسلام (شاعر البنغال). وله كتابان في هذا الاتجاه؛ هما: (الشعراء الخمسة)، و(حكمة الشرق). كما ترجم قصائد لشكسبير عن الإنجليزية، ولم تكن ترجماته نقلًا حرفيًا، بل نقلًا وجدانيًا يُعيدُ تشكيلَ النَّص بروحٍ عربية ناطقةٍ بالمعنى والعاطفة. وصدر للصاوي شعلان ديوان بعنوان: (وحي الإيمان) عام1975م، وفي الذكرى المئوية لمولد إقبال نَشَرَتِ السفارة الباكستانية في القاهرة ديوانًا بعنوان: (إيوان إقبال) عام1977م، ضم ترجمات الصاوي شعلان لأشعار إقبال. وأثناء رحلة الصاوي شعلان إلى باكستان زارَ قبر محمد إقبال، فَجَاشَتْ نفسُه بأبياتٍ قال فيها:  عجبتُ لنجمٍ مُشرِقٍ وهو غائبٌ ومحتجبٍ، مازالَ يبدو ويظهرُ ولم أرَ نجمًا قَطُّ بَعـدَ احتجابِـهِ يزيدُ ضياءً في العيونِ ويُبْهِرُ سلِ الجوهرَ المكنونَ في باطنِ الثرى متى عادَ للأصدافِ قبلكَ جوهرُ نال الصاوي شعلان جائزة الشعر الأولى مناصفة مع الشاعرأحمد مُحَرَّم عام1936م، ووصفه محمد إقبال بأنه: “أعجوبة الشرق” لما أنعم الله به عليه من الذكاء الفطري، والموهبة الشعرية، والقدرة اللغوية، التي أوصلته لأدق المعاني، وأجمل الصور، وأعمق المشاعرفي أسلوبٍ أخَّاذٍ، جعل الشعر الذي ترجمه يبدو نابِعًا من ذاته، مُعَبِّرًا عن انفعالاته؛ ما دعا عبد الوهاب عزام إلى الإشادة بقدرةالصاوي شعلان على الترجمة الشعرية. ومما ترجم الصاوي شعلان من شعر جلال الدين الرومي مقطوعة، يقول فيها: قالَ لي المحبوبُ لمّا زُرتُه مَن ببابي؟ قلتُ بالبابِ أنا قالَ لي: أنكرتَ توحيدَ الهوى عندما فرَّقتَ فيه بينَنا ومضى عامٌ.. فلمّا جئته أطرقُ البابَ عليه مَوْهِنا قالَ لي من أنتَ؟ قلتُ انظر فما ثم إلاّ أنتَ بالبابِ هُنا قالَ لي: أدركتَ توحيدَ الهوى وعرفتَ الحُبّ فادخُلْ يا أنا ومما ترجم للسعدي الشيرازي قوله: يا بحرُ إني قد أتيتُكَ راجيًا فاقبلْ فديتُك يا كريمُ رَجائي أُفني وجودي في وجودِكَ راضيًا وأرى فنائي فيكَ عَينَ بقائي ومما ترجم من شعر محمد إقبال قصيدته الذائعة: (حديثالروح)، ومن أبياتها: حديثُ الروحِ للأرواحِ يسْرِي وتُدركِهُ القلوبُ بِلا عَناءِ هَتفْتُ بهِ فطارَ بِلاجناحٍ وشقَّ أنينُهُ صدرَ الفضاءِ ومعدِنهُ تُرابيٌّ ولكنْ جَرَتْ في لفْظِهِ لُغَةُ السَّماءِ شكوايَ أمْ نجْوايَ في هذا الدُّجى ونجومُ ليليِ حُسَّدِي أمْ عُوَّدِي امْسَيتُ في الماضِي أعيشُ كأنَّما قَطَعَ الزمانُ طريقَ أمْسِي عنْ غَدي فإِلى مَتَىَ صَمْتي كَأنِّي زهْرةٌ خَرْساءُ لمْ تُرزقْ برَاعةَ مُنْشِدِ قِيثَارتي مُلئتْ بِأنَّاتِ الجَوَىَ لَاَ بُدَّ لِلْمَكبُوتِ مِنْ فَيَضَانِ صَعَدَتْ إِلَىَ شَفَتِي خَوَاطِرُ مُهْجَتِيِ لِيُبِيْنَ عَنْهَا مَنْطِقِي ولِساني حكى بعضُ المقربين منه أنه كان يتأثر كثيرًا عندما يستمع إلى قصيدة (حديث الروح)، وكانت رِقتُه تفيض، ودموعُه تنهلُّ عند سماعِهِ للبيتِ الذي يقول فيه: فإلى متى صمتي كأني زهرة خرساء لم ترزق براعة منشد وقد لحَّن هذه القصيدة الموسيقار رياض السنباطي، وَشَدَت بهاأم كلثوم، فكانت إحدى خوالدها؛ وَذَكَـرَ الناسُ: أمَّ كلثوم، والسنباطيَّ، وإقبالًا، وجَهِلَ أكثرُهم صائغَها شعرًا عبقريًا؛ الأديب البصير الصاوي شعلان، الذي ملأ عمره بالعطاءات الـخَيِّرَةِ حتى أُسْدِلَ الستارُ على حياته النبيلة عام 1982م.