تأملات فوق جبل «شيطان البرد»!
كتب المستكشف البريطاني السير هاري جونستون أن أسم جبل كالمنجارو الواقع في شمال شرق تنزانيا هو مزيجٌ من كلمة «كيليما» (جبل) و»نجارو» وتعني اسم (شيطان يسبب البرد)، وهو المعنى ذاته الذي اختاره هانز ماير الجغرافي الألماني الذي يعدّ أول أوروبي صعد قمة كالمنجارو عام 1889م، فجبل كالمنجارو هو جبل (شيطان البرد) حسب تلك التفسيرات. في عام 2023م لمعت في ذهني فكرة صعود جبل كالمنجارو، ثم تحولت الفكرة إلى عزيمة في العام الذي يليه، وخططت للذهاب إلى هناك لولا ظرف عائلي منعني من الذهاب، وفي 7 صباحا يوم 28 ديسمبر 2025 وصلت طائرتي إلى مطار كالمنجارو لأبدأ رحلة الصعود إلى أعلى قمة في أفريقيا بطول 5895متر، وأعلى قمة جبل مستقل لا يتبع لسلسلة جبال، والرابع عالميا، ورحلة الصعود للجبل تتراوح في العادة ما بين 5-9 أيام حسب نوع المسار وقدرة الفريق، ولكني اخترت مع الفريق مسار الأكواخ الذي يُقطع خلال 5 أيام فقط، ولم أكن أقدّر خطورة هذا الاختصار في المدة التي أثّرت عليّ وعلى الفريق فيما بعد، ورغم كل الأحداث والشدة والعناء الذي رافقني في هذه المغامرة؛ حققت هدفي ولله الحمد والمنة ووصلت إلى أعلى قمة الجبل الساعة 9.7 صباح الأول من يناير 2026م؛ وما كنت لأبلغها لولا فضل الله ورحمته. وبعد الانتهاء من هذه الرحلة الشاقة الماتعة جالت في ذهني عدد من الخواطر والتأملات، أضعها بين يدي القارئ، لعله أن يجد فيها ما يفيد وينفع، أسوقها على النحو الآتي: أولا: يذكر المستكشف النرويجي ايرلنغ كيج: « أن في اللغة السنسكريتية (الهندية القديمة) وضعوا قاعدة لغوية، وهي: كل كلمة تعني المشي، تعني أيضا المعرفة»، اعتقد أن هذا الكلام صحيح وواقعي أيضا، بشرط ان يتيقظ العقل ويركز، ويخرج من شتات الحياة وضوضائها. اعتدت في كل رحلة مشي طويل أن أخرج بمعارف ودروس واكتشافات، بعضها قاسي على نفسي ومتأخر، لكني لا أندم؛ بقدر ما امتن أني عرفتها؛ رغم كل الضوضاء التي تشوش كل شيء حولنا. لما سألت مرشدنا في الصعود (فرانسيس) عن مدى قدرتنا تحمّل الصعوبة والشدة؟ وفي أي مرحلة من الجبل تكون؟ أشار إلى رأسه، ثم قال: «إن القوة والاستطاعة مرتبطة بالذهن والعقل فقط». وهذا صحيح فالبدن لا يفشل إلا إذا فشل العقل في صناعة براهينه وقناعاته كي يبني أرضية قوية للإرادة أن تصمد. هناك الكثير قرروا الصعود لكلمنجارو؛ ولكن نسبة من وصل للقمة في مسار 5 أيام في حدود 27%، يعني أن هناك تحديا بدنيا ونفسيا يتطلب من الفرد برمجة ذهنية قوية تعينه لمقاومة صعوبة الطريق والتأقلم مع المرتفعات. أذكر أني في أخر محطة للعودة من القمة واجهت ألما شديدا بسبب التسلخات الجلدية، فكنت اضطر للتوقف كثيرا، وكان المرشد يطلب مني الصبر والاستمرار، ويناديني بـ»دكتور» لأن نطق أسمي كان صعبا عليه، فعندما سمع المرافقون الحمّالون أن هذا الضعيف المتوقف «دكتور»، تهامسوا بعجب واستغراب وعبّروا عنه بضحكات مكتومة، فلاحظت ذلك، وقلت لهم:» نعم أنا دكتور؛ ولكني طالب صغير اتعلم في مدرسة هذا الجبل»، وكم هي تلك الدروس الكثيرة التي تعلمتها من وقع الخطوات الصامتة، ومن حفيف الأشجار وصوت الأمطار، ومن تغيرات البيئة والتضاريس، ومن حركة المتسلقين الصاعدين والنازلين، ومن الضعف والقوة، ومن التردد والثبات، وغيرها كثير. وصدق نيتشه عندما قال:» كل الأفكار العظيمة تولد أثناء المشي». ثانيا: أخبرونا أن الصعود للقمة عبر مسار مارانغو يحتاج منا 3 أيام من الصعود، ويومين في الهبوط لمسافة تقارب 72 كلم، والمشي يبدأ من بوابة المنتزه الوطني لكلمنجارو الواقع في الغابة المطيرة الكثيفة، ثم منطقة ذات أشجار متوسطة، ثم صغرى ثم تنعدم الحياة النباتية ولا تُرى إلا صخور جرداء وثلوج تزداد حتى تغطي القمة، كانت وصايا المرشدين في كل المراحل هي المشي خطوة خطوة دون سرعة، هذا الوقع البطيء مملّ؛ ولكنه مع الصعود المستمر في طريق غير ممهد مزدحم بالصخور والحفر يجعل من الخطوة الواحدة عمل عظيم، وقطع كيلو يتطلب مكافأة مجزية، بيد أن التحدي الحقيقي لهذه الرحلة هو في ليلة الصعود إلى القمة، حيث وصل بعض الفريق إلا أخر محطة بعد العصر وطلبوا منا الراحة والنوم حتى الساعة 11 ليلا، حيث سيبدأ الصعود للقمة بعد منتصف الليل، وفي الحقيقة لم نستطع النوم بسبب التوتر والتفكير، كما أن الصداع والاستفراغ بدأ يُضعف بعض أعضاء الفريق؛ مما أدى إلى اعتذارهم عن إكمال المرحلة الأخيرة، بقيت أنا وصاحبي الآخر في ترقّب البدء، وفعلا أنطلق المخيم مجموعات لا نرى سوى مسافة متر أو مترين من خلال كشافات الراس، في مدة صعود قد تستغرق من 6-8 ساعات متواصلة، أكثر ما اتعبنا هو اضطراب النوم والدوار وقلّة الاكسجين، وكم رأينا من توقف في المشي ليستفرغ أو يستلقي للعلاج ومن ثمّ يعود إدراجه للمخيم، بصعوبة بالغة وإصرار أتبادله مع رفيق الصعود، وتشجيع وتحفيز نخدع فيه الأعباء والآلام، وصلنا لأعلى الجبل بعد شروق الشمس بساعة، كانت لحظة باهرة، وفاتنة زمانا ومكانا، فالشمس مشرقة فوق قمة ارتفاعها أكثر من 5600متر ، وبياض الثلج ينتشر من حولنا، كان شعورا بالانتصار يشبه شعور نابليون لما عاد إلى باريس بعد انتصاره في معركة أوسترليتز 1805م، هذا الشعور الأخّاذ تزامن مع جفاف في الحلق ونبضات متسارعة ونوع من الارتخاء أقرب للسقوط، ومع ذلك أصررنا أن نكمل مسافة آخرى -أكثر من كيلوين- لبلوغ أعلى قمة الجبل بارتفاع يصل إلى 5895متر، وما إن وصلناها وقمنا بالتصوير واحتفالات النصر؛ إلا والمرشدين يستحثوننا بالعودة مباشرة دون توقف أو تأخير، لأن البقاء في القمة بعد الظهر قد يزيد من احتمالية الرياح ونزول الثلوج، فكانت رحلة العودة المثقلة بالإنهاك والتعب أصعب من الصعود؛ لكن يشوبها طعم لذيذ وسط مرارات مكثفة اجتمعت في كاس العودة للمخيم. عنوان ليلة الصعود إلى القمة هو «فهم معنى الصبر»، كان إدراكا عمليا مثقلا بالشدة والصعوبة والألم، التوقف صعب، والمواصلة أصعب، والنزول بعد يومين من عدم النوم منهك جدا، فما كان منا إلا الصبر لأنه الخيار الوحيد، ولا أظن أن الصبر يجدي في أي إنسان مالم يكن لديه افتقار لمن يملك نصره ودعمه وتثبيته، أخبرني صاحبي بأنه كرّر قول « لا حول ولا قوة إلا بالله» أكثر من ألف وخمسمائة مرة في ليلة الصعود، ولا أظننا صبرنا إلا بتثبيت الله تعالى لنا، فله الحمد والمنّة. وللإمام ابن القيم كلمة عميقة هي في الواقع حقيقة إنسانية، يقول فيها: «أكثر أسقام البدن والقلب، إنما تنشأ من عدم الصبر». ثالثا: في كل صعود لجبل أو قطع مسافة طويلة من المشي، يتبادر إلى الذهن سؤال: لماذا أفعل كل ذلك؟ ما الفائدة؟. هذا السؤال هو «سؤال المعنى» الذي يثيره كل عقل، ويقفز للحديث مع كل شخص، والجواب عنه بسيط: لأننا نحب أن نكتشف!، أحيانا نريد أن نكتشف المعروف والبدهي حولنا، نكتشف ذواتنا المختبئة، الأصوات والصور والرياح وتشكلات السماء، هذه البدهيات هي ألغاز البقاء، فالمشي ليس سباق للحصول على جائزة؛ بل رغبة في التعرف والتأمل والتصحيح، هنا تلمع بروق المعاني التي تمنح الانسان حياة أفضل، يقول إيرلنغ كيج المستكشف النرويجي:» بعد أن امضيت30 يوما بمفردي في القارة القطبية الجنوبية، كتبت في مذكراتي: ..شعرت بالوحدة في الحفلات الكبرى والمدن أكثر مما أشعر به هنا»!، التحدي والمعاناة في صعود قمة مثل كالمنجارو تعني أن ضعفنا كبير، وغرورنا كذبة، وسيطرتنا خدعة، فالنجاح في كل عمل في الحياة، يعني أن هناك قدرة ربانية خارقة قادتك لهذا الفوز والانجاز. بعدما انهيت رحلتي وركبت طائرة العودة إلى الوطن، انتابني شعور غريب جدا وعظيم جدا، شعور الامتنان لله تعالى الذي وفقني لهذا الهدف وبلوغ القمة؛ رغم كل الضعف والتحديات، لم أشعر إلا وقد انهمرت العيون بكثير من الدموع، وشهقات كنت أريد أن أعبّر بها عن كل عبارات الحمد والشكر لله تعالى. وفي الختام .. أحببت أن أكتب تجربتي البسيطة في عمل قام به الألاف من البشر، وهو عمل عادي جدا؛ ولكن المعنى العائد للإنسان قد يكون هو الفارق في أي تجربة بشرية، أرجو ألا يتضايق القارئ من هذه الثرثرة السمجة بقدر ما يمكنها أن تفتح له افقا جديدا في حياة لن يعيشها إلا مرة واحدة.