مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل..

حين تتحول الصحراء من ذاكرة إلى خطاب ثقافي.

ليس مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل مجرد احتفال سنوي بحيوان ارتبط بتاريخ الجزيرة العربية، بل هو ممارسة ثقافية واعية تعيد صياغة العلاقة بين المجتمع السعودي وماضيه، وتطرح سؤالًا أعمق: كيف تُدار الهوية حين تصبح جزءًا من مشروع دولة حديثة؟ الإبل، في الوعي الجمعي العربي، لم تكن يومًا كائنًا محايدًا , لقد شكّلت عنصرًا مركزيًا في بناء أنماط العيش، وأنساق القيم، وحتى اللغة والخيال الشعري ، غير أن هذا الرمز، الذي ظل قرونًا مرتبطًا بالبادية والهامش الجغرافي، يعاد اليوم إنتاجه في قلب المشهد الثقافي الرسمي، وبأدوات حديثة، وبمنطق مختلف تمامًا عن الماضي. ما يقدمه مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل لا يمكن قراءته بوصفه “إحياءً للتراث” فقط، لأن الإحياء يفترض أن التراث كيان ثابت يُعاد عرضه كما هو ، ما يحدث هنا هو إعادة تفسير للتراث، وتحويله من ممارسة حياتية إلى خطاب ثقافي منظم، تُحدَّد فيه المعاني، وتُدار الرموز، وتُوجَّه الرسائل. في هذا السياق، تصبح الإبل وسيطًا ثقافيًا بين زمنين: زمن الصحراء بوصفها فضاء بقاء، وزمن الدولة الحديثة بوصفها منتجًا للمعنى والهوية. فالدولة، حين تستثمر في مهرجان بهذا الحجم، لا تحتفي بالماضي بدافع الحنين، بل تستخدمه لإعادة بناء سردية وطنية متماسكة، تؤكد الاستمرارية التاريخية دون الوقوع في أسرها. اللافت أن المهرجان لا يخاطب الداخل فقط، بل يُصمَّم بوعي ليكون قابلًا للتصدير ثقافيًا. هنا تتحول الإبل من رمز محلي إلى عنصر في القوة الناعمة السعودية، تُقدَّم للعالم بوصفها علامة ثقافية أصيلة، لا نسخة مستعارة من نماذج حداثية غربية. وهذا يتقاطع بوضوح مع التوجهات العالمية التي ترى في الثقافة موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الاقتصاد والسياسة، كما تشير إلى ذلك تقارير اليونسكو حول التراث الثقافي غير المادي ، لكن هذه التحولات تفتح بابًا لنقاش ضروري: هل يمكن للتراث أن يحتفظ بصدقيته حين يدخل فضاء الاستعراض والتنظيم المؤسسي؟ هذا السؤال لا ينتقص من قيمة المهرجان، بل يمنحه عمقًا. فكل مشروع ثقافي واسع النطاق يواجه خطر تحويل الرمز إلى فرجة، والمعنى إلى شكل. غير أن الفارق هنا يكمن في أن المهرجان لا يكتفي بعرض الإبل، بل يحيطها بسياق معرفي، وسرديات تاريخية، وأنشطة تعليمية، تحاول — بدرجات متفاوتة — الحفاظ على جوهر الرمز. من زاوية أخرى، يعكس المهرجان تحوّل المجتمع السعودي نفسه. فالأجيال الجديدة التي لم تعش تجربة الصحراء بوصفها ضرورة حياتية، تتعرف على الإبل من خلال وسيط ثقافي منظم. وهذا يعني أن الهوية لم تعد تُنقل شفهيًا فقط، بل تُبنى عبر مؤسسات، وفعاليات، وخطاب ثقافي رسمي، وهو تحوّل طبيعي في المجتمعات الحديثة، كما يشرح عالم الاجتماع بيير بورديو في حديثه عن “رأس المال الثقافي”.. الأهم أن مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل يقدّم نموذجًا مختلفًا للحداثة؛ حداثة لا تقطع مع الماضي، ولا تقدّسه، بل تعيد توظيفه. فالصحراء هنا ليست نقيض المدينة، بل جزء من وعيها، والإبل ليست بقايا زمن منقضٍ، بل أداة لفهم الذات في عالم متغيّر. في النهاية، يمكن القول إن المهرجان ينجح حين نقرأه بوصفه فعلًا ثقافيًا واعيًا، لا حدثًا ترفيهيًا ،إنه مساحة لإعادة التفكير في معنى الهوية، وحدود التراث، ودور الدولة في إدارة الذاكرة الجماعية. ومن هذه الزاوية تحديدًا، تتجاوز الإبل كونها رمزًا للماضي، لتصبح لغة معاصرة تتحدث بها المملكة عن نفسها، بثقة، ووعي، ودون اعتذار.