من طريف إهداءات الكتب.
إذا كان للكتاب مكانة مرموقة في الثقافة العالمية، فإن ثقافتنا العربية ربما كانت الأكثر احتفاءً، فمنذ أكثر من ألف عام، قال شاعر العربية الأكبر “المتنبي”: أعزُّ مكانٍ في الدُّنى سرجُ سابحٍ وخيرُ جليسٍ في الزمانِ كتابُ ومن بعده جاء أمير الشُّعراء “شوقي” ليُعلنها على الملأ: أنا مَن بدَّل بالكُتب الصِّحابا لم أجدْ لي وافياً إلا الكِتابا ومع مُطالعة كلّ كتاب جديد، سواء كان لواحد من الكُّتاب القُدامى أو المُعاصرين، يجد القاريء في غالبيّتها إهداءً يفتتح به المؤلّف الكتاب.. “عتبات النّص” كما يسمّيها بعض النُقاد؛ تتنوّع دوماً بين كلماتٍ حميمية قد تكون إلى أحد أفراد أُسرهم أو أصدقائهم، أو مُرتبطة بمضمون الكتاب، وفي أحيانٍ أُخرى قد تكون طريفة أو غير مألوفة، وربما يضيق المجال هُنا عن ذِكر أمثلةٍ لهذه الإهداءات. وقد عرفتْ الثقافة العربية والعالمية ظاهرةً يُمكن أن نُسمّيها: فنّ إهداءات الكُتب بخطّ يد المؤلّف، إلى أحد طُلّابه أو صديقه المُقرّب، ثم اتّسع هذا المسلك ليشمل توقيع الكتب لجمهور القُرّاء على منصّاتٍ غالباً ما تُنصب ضمن فعاليّات معارض الكُتب. ومن البديهي أن انتشار هذه الظاهرة الجديدة يُضفي على توقيع المؤلّف بخطّ يده، إضافة إلى قيمته الثقافية، قيمة تتنوّع حسب الثقافات؛ إذ ربما كانت للذكرى، أو لمُقابلة المؤلّف وجهاً لوجه، أو لاستثمار ماليّ ربما يتحقّق في المستقبل، خاصّة إذا كان الكاتب له قيمة كبيرة في مجال العلم أو الأدب أو السياسة. كتب الأستاذ “ناصر الحجيلان” في أحد مقالاته أنه يتذكّر حينما كان الناس يتجمهرون صباح يوم الأحد في خريف عام 2004، بجوار مكتبة “بارنز أند نوبل” في الولايات المتّحدة، ليحصلوا على توقيع الرئيس الأمريكي الأسبق “بيل كلنتون” على كتابه: “حياتي”، فكان يسأل أحدهم: “ماذا يعني لك توقيع الرئيس على الكتاب”؟ فردّ ببساطة: “لأنه شخص مُهمّ، وربما بعتُ الكتاب بعد سنوات بملايين الدولارات”! ويروي الأديب الكويتي الأستاذ “فاضل خلف” حكاية طريفة عن إهداءات الكتب، فيقول إنه كان مُعجَباُ بالشاعر المصري “محمد عبدالغني حسن”، وقد صدر للشاعر ديواناً عنوانه “من نبع الحياة” في عام 1950، وانتشر في الأوساط الأدبية والثقافية، فاقتنى الأستاذ “خلف” هذا الديوان، ووجد فيه قِصّة شائقة تستحقّ التسجيل. لقد قطعتْ هذه النسخة من الديوان آلاف الفراسخ حتى استقرّت في يد الأستاذ بعد طول ترحال! إذ رأى في أول صفحةٍ من الديوان هذه العبارة المكتوبة بخطّ اليد: “إلى المُستعرب الكريم الدكتور “بلاشير”، الأستاذ في جامعة السوربون، الذي عاش مع الشّعر العربي حُقبةً من الزمن.. أُهدي هذه الطاقة الشّعرية”، وتحت الإهداء إمضاء الشاعر “حسن”. ويتّضح من ذلك أن الشاعر قد أهدى إلى المُستعرب الفرنسي هذه الطاقة الشّعرية، لتبقى في مكتبته الكبيرة، تُمدّها من حرارتها الأدبية في ليالي الشتاء الباريسية الباردة. ولكن الأستاذ “خلف” قرأ أيضاُ في إحدى زوايا الديوان بخطّ مغربيّ جميل، العبارات التالية: “أهدى إليّ هذا الديوان أُستاذي، مُدير الكُرسي العربي بجامعة السوربون د. بلاشير، وأنا أُهديه بدوري إلى الأخ علي الكافي”، وتحت هذا الإهداء توقيع “شريف شيخاوي” الجزائري، وهو طالبٌ في السوربون. وفوق هذا الإهداء، إهداءٌ مُثبت باللغة الفرنسية، بعبارة: “إلى صديقي العزيز”.. وهو إهداءٌ من الأستاذ بلاشير إلى تلميذه “شيخاوي”. ولكن هذا الديوان لم يستطع البقاء طويلاً هناك، فانطلق يجوب الأفاق مُتمرّداً على الوِحدة الباريسية المفروضة عليه، فعبرَ البحر الأبيض المتوسط، ليستقرّ في مكتبة شاعر تونسي مِن عُلماء جامعة “الزيتونة”، وهو الشيخ “الحفناوي الصدّيق”.. ولسان حال الديوان قول الشاعر “علي محمود طه”: يا أيّها الملّاح ما لك تائهاً لا يستقرُّ على شِراعكَ موضِعُ؟ وبعد كلّ هذا التجوال في القارّات الثلاث: من القاهرة إلى باريس وإلى الجزائر وإلى تونس ثم إلى الكويت، هل يُمكن أن يُلقي أخيراً عصا الترحال؟ والجواب هو أن الأستاذ “فاضل خلف”، بحث عن الديوان بين كٌتبه مؤخّراً فلم يجده، ولعله استقرّ في إحدى المكتبات هُنا أو هُناك، بعد طوفان الغزو العراقي لدولة الكويت في الثاني من أغسطس 1990.