عبدالله الغذامي..

ما الذي يبقى من (الخطيئة) بعد أربعين عاماً ؟

في المشهد الثقافي العربي، قلّما استطاع ناقد أن يتحوّل من كاتب مفاهيم إلى ظاهرة تفكير ممتدّة، ومن صاحب كتاب إشكالي إلى مشروع معرفي يعيد ترتيب الأسئلة كلّما ظنّ القارئ أنه استقرّ على إجابة. عبدالله الغذامي واحد من هؤلاء القلّة الذين لم يكتبوا ليشرحوا النص، بل ليضعوا الثقافة نفسها تحت مجهر المساءلة. منذ ظهوره المبكر، لم يدخل الغذامي إلى النقد من بوابة البلاغة المأمونة ولا من حراسة الذائقة، بل اقتحم المساحة الأخطر، التي هي المسافة بين اللغة وسلطتها، بين النص وما يخفيه أكثر مما يعلنه، وبين القارئ وما يُراد له أن يراه وما يتسرّب إلى وعيه دون إذن. حين صدر كتابه الإشكالي الكبير «الخطيئة والتكفير» قبل أربعة عقود، لم يكن مجرّد انتقال من (البنيوية) إلى (التشريحية) كما يوحي العنوان، بل كان إعلان قطيعة مع النقد بوصفه جهاز ضبط، وتحريضاً على القراءة بوصفها فعلاً حرّاً، قادراً على كشف ما تراكم في النصوص من أنساق مضمرة، ومن طمأنينة زائفة حول البراءة والجمال واليقين. يومها، لم يُستقبل الكتاب بوصفه اقتراحاً معرفياً فحسب، بل كصدمة ثقافية، لأن الغذامي لم يكتف بتفكيك الأدوات، بل مسّ الهيبة الرمزية للنصوص، وسحبها من مقام القداسة النقدية إلى مساحة الفحص والمساءلة، فكان الهجوم عليه بقدر ما كان الاحتفاء به، وكان الجدل جزءاً من طبيعته لا عارضاً طارئاً عليه. ومع مرور السنوات، اتضح أن «الخطيئة والتكفير» لم يكن كتاب مرحلة، بل عتبة مشروع، وأن ما بدا آنذاك تمرّداً نقدياً صار لاحقاً أساساً لفهم أوسع للنقد الثقافي بوصفه اشتغالاً على المجتمع بقدر ما هو اشتغال على اللغة. الغذامي، في كتبه اللاحقة، لم يعد معنياً بالنص الأدبي وحده، بل بالثقافة التي تنتجه، وبالسلطات التي تمرّ عبره، وباللغة حين تتحوّل من أداة تعبير إلى أداة هيمنة، ومن مساحة جمالية إلى نظام إقصاء. لذلك اتّسع مشروعه ليشمل قراءة الأنساق الذكورية، وتمثّلات المرأة، وصورة المثقف، وخطاب الحداثة نفسه، لا بوصفه خلاصاً، بل بوصفه وبدوره نسقاً قابلاً للنقد والتفكيك. ما يميّز تجربة الغذامي أنه لم يتعامل مع النقد كمهنة أكاديمية، بل كمسؤولية ثقافية، ولذلك ظلّ نصّه مفتوحاً على القارئ العام كما هو مفتوح على المختص، وظلّ صوته حاضراً في الجدل العام، لا من موقع الواعظ ولا من موقع الخصم، بل من موقع من يصرّ على طرح السؤال حتى لو أزعج الجميع. وربما لهذا السبب بدا ظهوره الأخير في حواره الصوتيّ المرئيّ، في «عرب كاست» مع جمال المُلاّ، أقرب إلى استراحة مفكّر لا إلى مراجعة حسابات، فهو لم يأت ليدافع عن كتابه القديم ولا ليعتذر عن حدّته الأولى، بل ليعيد وضع التجربة في سياقها الطبيعي، فكرة وُلدت في زمن صاخب، ثم واصلت حياتها خارج صاحبها، وتعرّضت لما تتعرّض له الأفكار الحيّة من تأويل وسوء فهم وإعادة اكتشاف. في نبرته الهادئة، وفي طريقته في الحديث عن «الخطيئة والتكفير» كأنه يتحدّث عن كائن ثقافي مستقل، يمكن أن نلمح جوهر الغذامي نفسه، ناقد لا يطارد اللحظة، ولا يسعى إلى تصفية حساب مع الماضي، بل يترك الفكرة تمشي وحدها، واثقاً بأن ما كُتب بصدق معرفيّ لا يحتاج إلى تلميع متأخّر ولا إلى دفاع انفعالي. الحوار هنا ليس إضافة على المشروع، بل شاهد على نضجه، وعلى انتقال صاحبه من موقع الاشتباك إلى موقع الرؤية، دون أن يفقد حدّته الداخلية أو حسّه النقدي. ومن هذه الزاوية، لا يبدو هذا الظهور حدثاً إعلامياً بقدر ما يبدو امتداداً طبيعياً لسيرة فكرية طويلة، تقول الشيء نفسه بوسائط مختلفة، وبنبرة أقل صداماً وأكثر تأمّلاً، لكنها لا تزال مشغولة بالسؤال ذاته: كيف نفكّر في ثقافتنا دون أن نخضع لها، وكيف نقرأ نصوصنا دون أن نُؤسر بجمالياتها أو بهالتها الرمزية. أربعون عاماً مرّت على «الخطيئة والتكفير»، وما زال الكتاب يُقرأ، لا لأنه صادم، بل لأنه حيّ، ولأن الأسئلة التي طرحها لم تُغلق، ولأن الثقافة العربية ما زالت في حاجة إلى من يذكّرها بأن النقد ليس ترفاً، وأن النص ليس بريئاً، وأن الجمال لا يُعفي من المساءلة. عبدالله الغذامي لم يمنحنا أجوبة جاهزة، بل درّبنا على الشك المنتج، وعلى القراءة بوصفها فعلاً أخلاقياً ومعرفياً في آن، ولهذا بالضبط يستحق أن يُكتب عنه اليوم، لا بوصفه ذكرى نقدية، بل بوصفه بوصلة فكرية ما زالت تشير إلى المناطق التي نخشى الاقتراب منها، وتذكّرنا بأن الأفكار التي تغيّر طريقة النظر تظلّ حيّة، مهما تغيّرت المنصّات وتبدّلت الأزمنة. (*) كاتب وصحافي سعودي