حين يتحدث القشعمي:

شهادات من قلب الأرشيف الغائب.

تعقيبًا على ما ورد في مقال «حتى لا نفقد ذاكرتنا الوطنية.. من ينقذ أرشيف الصحف الورقية؟» المنشور بتاريخ (19 نوفمبر 2025م)، بعث الباحث السعودي الأستاذ محمد بن عبدالرزاق القشعمي رسالة صوتية عن طريق الواتساب، وكانت معرفتي به بدأت بتوصية من الأستاذ قايد الحارثي ، حيث زرته في بيته في الرياض بعد عودتي من الابتعاث. أعود للحديث عن الرسالة الصوتية التي بعث بها القشعمي، حيث قدّم فيها شهادة توثيقية مهمة حول واقع أرشفة الصحافة السعودية المبكرة، مستعرضًا تجارب وجهودًا سابقة، ومسلّطًا الضوء على فجوات لا تزال تهدد ذاكرة الصحافة الوطنية. لم تكن رسالة القشعمي تعليقًا عابرًا على مقال، بقدر ما كانت استعادة هادئة لذاكرة عاشها واشتغل عليها لعقود. فهي شهادة باحث خبر الأرشيف ميدانيًا، وتعامل مع الصحف بوصفها مصادر تاريخية أصيلة، لا مجرد مواد للنشر أو التوثيق العابر. حديثه يعيد طرح القضية في سياقها الأعمق: أن ضياع الأرشيف الصحفي لم يكن نتيجة التحول الرقمي، بل نتيجة تراكم طويل من الإهمال وضعف الوعي بقيمة الوثيقة. يشير القشعمي إلى أن بعض المبادرات الثقافية نجحت، في حدودها، في إنقاذ أجزاء من هذه الذاكرة. ففي القصيم، جرى طباعة مجلة آداب القصيم كاملة من العدد الأول حتى العدد (113)، عن الفترة من 1379هـ إلى 1382هـ. كما جرى تصوير جريدة اليمامة منذ بداياتها الأولى، حين صدرت مجلة ثم تحولت إلى جريدة عام 1375هـ، واستمرت حتى عام 1382هـ، إضافة إلى عامين كمجلة، وهي مرحلة مفصلية في تاريخ الصحافة السعودية ارتبطت باسم الشيخ حمد الجاسر – رحمه الله – وأسهمت في تشكيل الوعي الثقافي الوطني. ويمضي القشعمي في تعداد نماذج أخرى، منها تصوير أعداد أخبار الظهران الصادرة في أعوام 1374هـ و1375هـ ورمضان 1376هـ، إضافة إلى مجلة الإشعاع التي أصدرها سعد البواردي – رحمه الله – في الخبر، حيث تولّى مركز دارة المفردات تصوير أعدادها قبل وفاته. ويؤكد أن هذه الجهود، على أهميتها، بقيت مبادرات متفرقة لم تتحول إلى مشروع وطني شامل. غير أن لبّ حديث القشعمي، ونقطة القلق الرئيسة، يتمثل في جريدة “صوت الحجاز”. فعلى الرغم من أهميتها التاريخية، يؤكد أنه لم يعثر على أرشيفها الكامل لا في دارة الملك عبدالعزيز ولا في غيرها من الجهات. وهي جريدة صدرت بعد أم القرى بسبع سنوات، وغطّت فترة تمتد من عام 1350هـ حتى منتصف عام 1368هـ، وهي من أكثر المراحل حساسية في تاريخ المملكة، لتزامنها مع سنوات التأسيس، ومع أحداث إقليمية ودولية كبرى، قبل أن تتوقف الجريدة عن الصدور مع اشتداد الحرب العالمية الثانية. ويروي القشعمي محاولاته المستمرة لإنقاذ هذا الأرشيف، ومنها تواصله قبل ست سنوات مع نادي مكة الأدبي، مقترحًا التفاوض مع مدير المكتبة العامة في مكة المكرمة الذي كان يمتلك أعدادًا كاملة من صوت الحجاز، لتصويرها وإتاحتها للباحثين. غير أن المشروع تعثر لأسباب مادية وتنظيمية، وضاعت فرصة ثمينة لإنقاذ مصدر تاريخي نادر. كما يشير إلى مخاطبته إدارة مؤسسة البلاد الصحفية، مؤكدًا أن صوت الحجاز تمثل الامتداد التاريخي المباشر لصحيفة البلاد، وأن غياب أرشيفها يحرم الباحثين من قراءة دقيقة لمرحلة مفصلية في تاريخ الصحافة الوطنية. فهي جريدة لا يستغني عنها مؤرخ أو دارس لبدايات الدولة السعودية. وتكشف رسالة القشعمي مفارقة لافتة، حين أشار إلى تواصل باحثة من العراق معه أخبرته بأنها تمتلك كامل أعداد صوت الحجاز، ولم تكن بحاجة إلا إلى الدراسات والمقالات التحليلية المكتوبة عنها. وهي مفارقة تعكس خللًا مؤلمًا: أن جزءًا من ذاكرتنا الصحفية محفوظ خارج الوطن، بينما نفتقده في مؤسساتنا الثقافية المحلية. ويذكّر القشعمي بكتابه مائة عام صحافة، الصادر عن مركز تراث الوشم، الذي وثّق فيه نبذات عن الصحف التي صدرت خلال أربعين عامًا، من دخول الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه – إلى الحجاز عام 1343هـ، حتى عام 1383هـ، مؤكدًا أن هذه المادة تمثل ثروة معرفية لا تزال بحاجة إلى استكمال مؤسسي يحميها من التشتت والضياع. وفي ختام تعقيبه، يعوّل القشعمي على أن يحرّك هذا النقاش الوعي مجددًا، في ظل التحولات التي تشهدها الأندية الأدبية وتحولها إلى جمعيات ثقافية، داعيًا إلى دور فاعل للجامعات، والجمعيات، ورجال الأعمال، في تبنّي مشروع وطني لتصوير الأعداد النادرة، من أي مصدر كانت، وإتاحتها للباحثين في المكتبات العامة والجامعية. إن شهادة القشعمي لا تمثل حنينًا إلى الماضي، بل تنبيهًا هادئًا إلى أن الصحافة ليست سجلًا للأحداث فحسب، بل مرآة للوعي والتحول. وإذا كان السؤال لا يزال مطروحًا: من ينقذ أرشيف الصحف الورقية؟ فإن هذه الشهادة تضيف سؤالًا أكثر عمقًا: هل نملك الإرادة لتحويل الذاكرة من جهد أفراد إلى مسؤولية وطنية؟ * الأستاذ المساعد في قسم الاتصال والإعلام- جامعة طيبة.