الشعر الذي يدهشني!

بالنسبة لي، الشعر -باختصار- هو ما يدهشني في صوره، ويمنحني معنى يستحق أن أُعيده، ويجعلني أحيانًا أفز من جلوسي، أو أتلو البيت في أكثر من مكان أتردّد إليه. الموهبة الشعرية لا تنطفئ، والشعر بطبيعته حالة تطوّر مستمر، وهذا أمر منطقي لا خلاف عليه، غير أنني لا أجد نفسي في قصائد تشعر أنها جاءت فقط على صهوة التعمية اللغوية، أو ما يسمّيه بعضهم اللعبة اللغوية؛ حيث يتقصّد الشاعر حشد نصّه بمفردات وتراكيب رنّانة وإن لم تخدم المعنى. والمفارقة أن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت اليوم قادرة على إنتاج مثل هذا الصنف من النصوص. بعكس القصيدة التي تُنتزع من روح صاحبها، وتخرج عبر معجمه وصوته العفوي الخاص دون افتعال أو تعمّد لانتقاء مفردات بعينها. وأنا هنا أتحدّث عن الشعر لا بصفتي ناقدًا يمتلك أدوات النقد، بل كمتلقٍّ يحب قراءة الشعر قديمه وحديثه، ويقتني دواوين عددٍ من الأصدقاء، إلى جانب إصدارات نادي المدينة المنورة الأدبي وغيرها من دور النشر في الوطن العربي. يجذبني الشعر الذي يحمل صورة بديعة، وربما حفظته من أوّل قراءة أو بعد ترديده مرة أو مرتين، في حين أتوه أحيانًا في قصائد لا أريد أن أظلمها، لكنني نادرًا ما أخرج منها بمعنى واضح أو صورة مدهشة. وأدرك أن الشعر مزيجٌ عضويّ بين اللغة والصورة، وكثيرًا ما أقف أمام قصائد كُتبت بلغة بسيطة، لكنها تحمل صورًا مدهشة. يقول جاسم الصحيح في أبيات عن الأب: روحُ الأُبُوَّةِ تحمينا من الكِبَرِ ما مِنْ أبٍ فائضٍ عن حاجةِ البشرِ وهي صورة، بالنسبة لي، مدهشة في بساطتها وعمقها؛ فهل في لغة جاسم أي تعقيد؟ لقد التقط معنى يسكن قلوبنا جميعًا. خصوصًا شطر البيت الثاني. وكذلك فعل الشاعر المديني بشير الصاعدي حين قال: سِتّونَ مرّتْ، وما زالت تُشاغبني غِوايةُ الغِرِّ، كي يحيا بيَ الشغفُ لم يَبْقَ بي مطمعٌ للدهرِ يَسلبني فكلُّ ما عندي العُكّازُ، والأنَفُ وهنا أصل إلى ما أقصده: الصورة البسيطة المدهشة لا يشترط أن تحملها لغة معقّدة. فقديمًا كان هذا هو الشعر، ولا يزال حتى اليوم، في مقابل نصوص نرى في بعضها اشتغالًا لغويًا كثيفًا، بينما تبقى معانيها باردة، وأحيانًا غائمة أو عصيّة على الفهم.