حين وقف طائر الحزن قرب النيل.
أثناء عملي محررا بجريدة اليوم ، قابلت أدباء من كافة مناطق المملكة ، فقد كنت أعمل بأريحية مع القسم الثقافي ، وكان يرأسه شاكر الشيخ ، وقد زرته في بيته وسمعته يغني على العود. قابلت بالطبع كتابا كبارا منهم : عبدالعزيز مشري، عبده خال ، فهد العتيق ، وغيرهم. في أبريل 1994 ناولني شاكر الشيخ رئيس القسم الثقافي مجموعة قصصية “ رائحة المدينة” ، قرأت اسم الكاتب ولم أكن قد قابلته بعد. كتبت عن المجموعة ؛ فقد اعجبتني طريقته في السرد، وامتلاكه أدواته الفنية ، وفي هذا العام تحديدا قررنا كهيئة تحرير جريدة “ اليوم” جعله عام النقد ، أحسست بالصدق الفني وبشجن يسري في مفاصل النصوص جميعها ، وهذا ما أكدته في دراستي النقدية عنه، نشرت بتاريخ 25 أبريل 1994. بعدها بأشهر قليلة أخبرني الشاعر حسن السبع، كونه قد أعد لي مفاجأة ولم يفصح عنها. ركبت سيارته واتجهنا إلى موقف سيارات النقل الجماعي. في المحطة هبط رجل ، لوح بمحبة. قال لي حسن : هذا هو صاحب “ رائحة المدينة “. في منزل حسن السبع جلسنا ندردش ، وفوجئت بثقافة الرجل ، وحسه الإنساني الذي لمحته في النصوص. كان حسين علي حسين يصمت أحيانا ليستمع إلينا ثم تراه يسرد حكايات عن المدينة المنورة ، حيث ولد فيها عام 1950، وأنا ولدت في مدينة دمياط عام 1951 وعملت في ورشها صغيرا. كنت أشرف مع صديقي حسن السبع على صفحة” كتابات” وفيها نتولى تقديم نقد مبسط للشباب والفتيات الذين يكتبون في بداياتهم. وجدت حسين علي حسين ملما بما ننشره ، ولديه غواية اقتفاء الأثر؛ أثر النصوص الحلوة التي كانت تأتينا عبر البريد. كان يوما بديعا لا أنساه خاصة أن “ سيهات “ لها في قلبي منزلة عظيمة ففيها منازل فنانين تشكيليين موهوبين ، منهم الفنان كمال المعلم الذي شاركت في كتابة كلمة كتالوج معرض “ فرسي”. البلدة الأخرى التي كنت أعتز بها هي “القطيف” وقد زارتها الدكتورة بنت الشاطئ وكتبت عن كرم أهلها، وهي من مدينتي ولها تمثال مطل على النيل . عدت إلى مصر في يوليو 1995 ، وبمرور الوقت تعرفت على شبكة الانترنت ومن خلالها عاودت الاتصال بأصدقائي الذين التقيت بهم في الدمام والرياض وجدة ، أو غيرهم من كتاب قابلتهم في ملتقى القاهرة للرواية العربية ومنهم الدكتور عبدالله الغذامي ، والدكتور سعد البازعي ، والروائي عبده خال، والروائي يوسف المحبميد، وغيرهم. في عام 2017 يتجدد الاتصال بيني وبين حسين علي حسين، ويبادرني برغبته في زيارتي بمدينة دمياط، وقد سبق أن استقبلت فيها كتابا منهم: أحمد الحربي ، ابراهيم زولي ، أحمد السيد، محمد عطيف وآخرين. مساء يوم 17 أغسطس 2017 استقبلت حسين علي حسين ومعي سبع مجموعات قصصية ، أهديتها إليه ، نجلس لنتحدث عن الفترة التي عملت فيها بجريدة “ اليوم”، وعن مقابلتنا السابقة في” سيهات” ، وكان معنا الشاعر صلاح عفيفي ، ومعه ابنته الصغيرة “ شهد” ـ كبرت الآن وصارت عروسا ـ ، يسمعه قصائد من ديوان” مركب إزاز “ ، ونستمع من الزائر الكريم لانطباعاته عن الحركة الأدبية بالمملكة. اخبره مثلا انني مفتون بكتابات عابد خزندار، وأميمة الخميس ، وابراهيم الحسين، وترجمات غسان الخنيزي ، وقصائد شعراء ، منهم محمد الثبيتي وعبدالله الصيخان، وعلي الدميني الذي شاركني محبة عبدالعزيز مشري حتى أنني أصدرت عنه كتاب “انكسارات القلب الأخضر” في سلسلة “ آفاق عربية” 2003 بالتفاهم مع أحمد مشري. في أول يوم من عام 2026 يصلني خبر رحيل حسين علي حسين. أذكر جلسة المقهى ، وتمشية أخذته فيها لحديقة بنت الشاطيء لصق نهر النيل. كان يقف بجواري هنا ونتحدث عن الراحلين. والآن صار صديقي حسين علي حسين صاحب القلب الطيب والموهبة القصصية الفريدة منهم، فسلاما على روحك، ولتصحبك الدعوات الطيبة في الأبدية. * قاص مصري